تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

25 (10)

ويقال إن أفلاطون يثبت الصور أي المثل بينما ينفيها أرسطو؛ إذ إن أفلاطون يوحي في كثير من أقاويله أن للموجودات صورا مجردة في عالم الإله، وربما يسميها المثل الإلهية. لا تفسد ولا تندثر مثل الموجودات الكائنة. وأرسطو في حروفه، كتاب ما بعد الطبيعة، شنع على هذه الأقاويل، وبين ما يلزمها من الشناعات لم يذكرها الفارابي لطولها ولشهرتها وعدم تكرارها كي يرجع إليها من يريد. إن غرضه فقط إيضاح الطرف الطالب الحق حتى لا يضل في الوقوف على اتفاق الحكيمين بعيدا عن الألفاظ المشككة. وربما يثبت أرسطو في كتابه «الربوبية» المعروف بأثولوجيا الصور الروحانية، وأنها موجودة في عالم الربوبية. وهي أقاويل إذا أخذت على ظواهرها لا تخلو من احتمالات ثلاثة؛ الأول أن يناقض بعضها بعضا، والثاني أن يكون بعضها منتحلا على أرسطو، والثالث أن تكون لها تأويلات على خلاف ظواهرها فتطابق وتتفق. أما احتمال تناقض أرسطو في علم الربوبية فبعيد مستنكر. واحتمال الانتحال أيضا بعيد لأنها أقوال بلغت قدرا كبيرا من الشهرة. لم يبق إذن إلا احتمال التأويل حتى يرتفع الشك وتذهب الحيرة. فلما كان الباري جل جلاله بأنيته وذاته مباينا لجميع ما سواه، أشرف وأفضل وأعلى، لا يناسبه ولا يشاكله ولا يشابه شيء حقيقة أو مجازا، فإنه أحيانا تطلق بعض الألفاظ المتواطئة لا تطلق عليه بل على غيره أو تطلق على نحو أشرف مثل حي وموجود. ومن عرف ذلك من الفلسفة وما بعد الطبيعة سهل عليه أن يفهم ما يقوله أرسطو وأفلاطون في الصور. إذا كان الله تعالى حيا موجودا وجب أن تكون عنده صور ما يريد إيجاده في ذاته، جل الله من كل اشتباه. ولما كان الله لا يتغير كانت الصور كذلك وإلا أوجد العالم على غير قصد وغاية وهو شنيع قبيح. هذا هو قصد الفلاسفة من إثبات الصور الإلهية كأشباح قائمة في أماكن أخرى خارج العالم مما يؤدي إلى القول بوجود عوالم غير متناهية مثل هذا العالم كما بين أرسطو في كتبه الطبيعية وشرحها المفسرون بوضوح. تحتاج الأقاويل الإلهية إلى تدبر شديد. قد تدعو الضرورة أحيانا إلى إطلاق الألفاظ الطبيعية والمنطقية المتواطئة مع تلك المعاني الإلهية الشريفة العالية عن جميع الأوصاف المتباينة والأمور الموجودة على نحو طبيعي؛ فمن الصعب اختراع ألفاظ أخرى سوى ما هو مستعمل منها. يكفي فقط جعل معانيها على نحو أشرف وأعلى مما نتخيله ونتصوره. (11)

وفي أمر النفس والعقل كنتيجة لموضوع الصور ذكر أفلاطون في «طيماوس» أن كل واحد منها عالم غير الآخر، وأنها عوالم متراتبة دون أن يكون لها مكان أو للباري مكان أعلى، فإن ذلك مستنكر عند المبتدئين في التفلسف، والأولى أن يكون كذلك عند المبرزين فيها؛ فالتراتب ليس في المكان بل في الشرف والفضيلة. وعالم العقل مثل عالم الجهل وعالم العلم وعالم الغيب دون حيز. والقول بإفاضة النفس على الطبيعة وإفاضة العقل على النفس يعني إفاضة الصور الكلية من العقل إلى النفس ومن النفس إلى الطبيعة للمعونة واللطف والعناية في حركة الأعلى عند الانطلاق من محبسها بمساعدة البدن الطبيعي شوقا إلى الاستراحة والرجوع إلى ذاتها. كل ذلك رموز وصور وخيالات لها معان تضيق العبارة عن التعبير عنها. لذلك تفهم عبارات الحكيمين على هذا النحو، وأن العقل كما بينه أرسطو في كتاب «النفس» وكذلك الإسكندر وغيره من الفلاسفة أشرف أجزاء النفس، وأنه عقل بالفعل، به تعرف الإلهيات، ويعرف الباري جل ثناؤه؛ فهو أقرب الموجودات إليه شرفا ولطفا وصفاء لا مكانا وموضوعا وحيزا. ثم تتلوه النفس لأنها متوسطة بين العقل والطبيعة؛ إذ لها حواس طبيعية. فهي متصلة من أعلى بالعقل الذي هو متصل بالباري عز وجل، ومتصلة من أسفل بالطبيعة وهو نفس المعنى الذي قصده أفلاطون؛ وبالتالي تزول الظنون والشكوك التي تجعل الحكيمين مختلفين وهما في الحقيقة متفقان على سبيل الألغاز والتشبيه كما صرح بذلك أرسطو في «أثولوجيا» حيث يصرح بأنه عندما يخلو بنفسه ويخلع بدنه يصير كأنه جوهر مجرد بلا جسم وأخلاقي في ذاته، علم وعالم ومعلوم، يرى ذاته في حسن وبهاء، ويعلم أنه جزء صغير من العالم الشريف، ويظل يترقى بذهنه إلى العالم الإلهي فيلمع بالنور والبهاء ما تعجز الألسن عن وصفه، والآذان عن سمعه. فإذا غشاه النور ولم يقو على النظر إليه هبط إلى عالم الفكر حتى يحجب عنه هذا النور، وتذكر أخاه إيرقليطوس حين أمر بالطلب والبحث عن جوهر النفس الشريفة بالصعود إلى عالم العقل. وهذا يمكن إدراكه بالذهن وراء الألفاظ؛ فهي ألغاز ورموز تحتاج إلى تأويل واجتهاد على عكس ما يحدث في زمن الفارابي من دوافع العصبية وطلب العيوب والوقوع في التحريف والتبديل والعجز عن الكشف والإيضاح.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الثاني التحول): (١) · الصفحة ١٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الثاني التحول): (١)ص ١٠