54
ولفظ الحكماء أكثر شيوعا من لفظ الفلسفة والفلاسفة، الأول موروث والثاني وافد. لفظ الحكماء ليس مقصورا على اليونان بل يطلق على الموحدين الحكماء.
55
ويصعب معرفة من المقصود بالحكماء؟ هل هم فلاسفة القرن الثالث الهجري وقد عاشت مجموعة أبي سليمان المنطقي في القرن الرابع؟ هل هم الحكماء الخمسة من إخوان الصفا؟ هل كل من يشتغل بالعلم بما في ذلك حكماء اليونان لا فرق بين وافد وموروث؟ هل أقرب إلى المعنى العام الذي لا يعني بالضرورة حكماء اليونان، نقلا له من الخاص إلى العام؛ إذ يوجد الحكماء في الهند، ومن الجن؟ هم أقرب إلى إجماع العقلاء والاتفاق فيما بينهم. فالفلسفة مواضعة واتفاق. وحين التخصيص لا يشار إلى اليونان. فالحكماء المناطقة يستعملون المنطق للبرهان. والبرهان ميزان الحكماء، ويضعون العلوم المعيارية مثل المنطق والعروض والنحو، والمنطق نظر وعمل. والحكماء الرياضيون يضعون مبادئ الحساب أول العلوم الرياضية وأساسها، وإدراك النسبة أساس المعرفة والوجود. وهي أيضا نظر وعمل. والحكماء الطبيعيون يتأملون في الطبيعة بمنهج فلسفي، ويرفعون الطبيعة إلى مستوى الإنسان. فالعالم إنسان كبير، والإنسان عالم صغير. يثبتون أفعال الطبيعة الدالة على الله والعناية كحل وسط، إثباتها مستقلة عن الله أو إنكارها لحساب الفوضى. وتقوى الطبائع بعضها بعضا. هناك علية الوسائط، يقول الحكماء بحدوث العالم وينكرون قدمه بالرغم من الشك في الصواب، ويوضع العلماء مع الحكماء لأنهم علماء طبيعة أيضا وفيها يتم البحث عن العلل. والحكماء هم العلماء الأخيار أصحاب العلل. ويضم الحكماء علماء الطبيعة والكيمياء. وقد تشبه آيات الحكماء معجزات الأنبياء والحكماء الموسيقيون يربطون الموسيقى بأحكام النجوم وأثرها في النفس، والفن للدين مثل الفلسفة وليس للهو واللعب. والعود أوتار أربعة تشبها بالطبيعة. فالحكماء موسيقيون وأطباء ورياضيون ومناطقة وشعراء.
56
وفي أغلب الأحيان هم الحكماء الإلهيون تخصيصا لهم عن غيرهم بما يميزهم وهو الإشراق أو الإلهيات، والله أحكم الحكماء. وتبدأ الإشراقيات من علم النفس. لذلك تحدث الفلاسفة قبل الوحي عن علم النفس ولكن الوحي الذي فصله. يعرفون عجاب النفس بالنفس وليس بالعقل، وبأسرارها وليس بقدراتها. ويستعمل الحكماء الإشراقيون الرمز، ويضربون المثل بأمور الدنيا، ويريدون بها أمور الآخرة. وهم الدعاة الذين لا تستطيع العامة معارضتهم لإحساسهم بالنقص أمامهم، أقربه إلى دعاة الإسماعيلية وأئمة الشيعة. يعرفون أحكام النجوم للترقي بها إلى أعلى وليس لمعرفة الغيب، ولكنهم أدركوا من خلالها السعادات والنجاسات. لهم أقوال في العشق بين المدح والذم والجهل، فمن الجهل القول بأنه جنون إلهي أو هم النفس أو فراغ الهمة أو مرض إنساني.
57
وغرض الحكماء متفق مع غرض الأنبياء في الدنيا والدين. وقد أرسل الحكماء والأنبياء إلى كل الشعوب. آدم أبو البشر وأبو الأنبياء. يمثل وحدة البشر ووحدة العقيدة وكلاهما، الحكمة والنبوة من نفس المصدر نزولا من السماء. الحكماء والعلماء ورثة الأنبياء وإدخال العلماء مع الحكماء إضافة للوافد على الموروث وتوسيعا لمفهومه. انتباه الحكماء ضروري من الوقوع في سوء الفهم لكلامهم واتهامهم بالقول بقدم العالم، والحقيقة أنهم يقولون بإبداع العالم بالخلق فيضا وليس بالقدم. والفيض تطور روحي نازل للوجود في مقابل الارتقاء الروحي الصاعد للنفس. ويؤمن الحكماء الربانيون والعلماء المتفلسفون بالآيات ويعلمون الأسرار والتأويل لأنهم يمثلون سلطة بعد مغادرة الأنبياء. ولما كانت الطبيعة لا تفعل شيئا باطلا فإن قول الحكماء الصادر عن الطبيعة لا يختلف عن قول الأنبياء الصادر عن الوحي.