48
فلماذا استعمل الإخوان الألفاظ المعربة دون المنقولة؟ هل لأنها لم تتحول بعد إلى منقول وقد استمر استعمال البعض منها حتى عصر ابن رشد مثل الأسطقسات أم لتمثل الوافد داخل الموروث عن طريق شرحه وإيجاد المقابل له أم لإيهام العامة بالغريب؟ وقد صمد التعريب حتى الآن في بعض الألفاظ مثل الفلسفة والسفسطة والموسيقى والجغرافيا، في حين لفظ المنطق وغيره من المصطلحات الفلسفية نقل منذ البداية ولم يعرب.
49
ثم تأتي الكتب المنطقية مثل أنالوطيقا على العموم دون تحديد بالأولى أو الثانية . وهو الذي يضع الميزان الذي يمنع من الغبن والاعوجاج، وبه يصح الوزن ولا يدخل إليه الخلل. وبارمنياس ثاني كتب البرهان غرضه معرفة الألفاظ العشرة في قاطيغورياس، كيف تتألف وتتركب الأشياء حتى يكون منها ميزان ومقياس، وغرض البرهان معرفة العشرين كلمة في بارمنياس. وإيساغوجي، وهو المدخل للمنطق الفلسفي، دراسة للألفاظ الستة، والموسيقى هو العلم الرابع من الرياضيات وهو علم التأليفات والنسب.
50
وإذا كان المنطق خمسة أنواع أولها أنالوطيقا فالباقي منطق الظن وهو في المرتبة الثانية. ثانيها معرفة صناعة الشعر، والثاني ريطوريقا معرفة صناعة الخطب. والثالث طوبيقا وهو الجدل، والرابع بوليطيقا وهو البرهان، والخامس سوفسطيقا وهي المغالطة في المناظرة والجدل. وواضح عدم تتبع الترتيب المنقول. كما يتضح أيضا عدم الدقة في تسمية بوليطيقا صناعة البرهان. وتجمع المصطلحات بين التعريب كأساس والنقل كفرع. وتنقسم الكتب إلى ثلاثة قبل البرهان وخمسة بعد البرهان انحرافا عنه، والذروة في البرهان.
51
وهناك أسماء مصنفات دون ذكر لأصحابها مثل الكون والفساد، والحاس والمحسوس وسمع الكيان والحيوان لشهرتها وتحول الوافد إلى موروث ثقافي أو لرسائل الإخوان في الموضوع. ويذكر صاحب كتاب الأسطيطاس الذي ذكر دائرة عدتها ثمان وعشرون منزلة رتبها الإخوان في إحدى رسائلهم باعتبارها ثقافة العصر، وهناك رسائل أخرى مؤلفة لا أصل لها في الوافد مثل رسالة الصنائع العملية، ورسالة المعاد، ورسالة أجناس العلوم، والرسالة الإلهية، ورسالة العلل والمعلولات، ورسالة العقل والمعقول، ورسالة المبادئ، ورسالة البعث والقيامة، وهي في صلب الموروث، والبعض منها لإخوان الصفا. وهناك رسائل أخرى يشار إليها بلا عنوان مما يدل على أن التأليف مضمون وليس صورة؟
52
ويستعمل لفظ «اليونانيون» وصفات اليوناني مذكرا ومؤنثا ومضافا إليه في بلاد اليونان للتأكيد على محلية الوافد. فقد كان اليونانيون يستعملون آلة صناعية عند الحروب يفزعون بها نفوس الأعداء، تصدر أصواتا مزعجة. وكان من عادة اليونانيين إذا أرادوا تعليم الصبي صناعة إدخاله إلى هيكل الصنائع وقربوا له قربانا. فاليونانيون يمثلون هنا شعبا له عاداته وتقاليده وخرافاته وليس مصدرا للعلم. كما يستعمل اللفظ للإشارة إلى الأطباء وعجزهم عن معرفة طبائع النبات والاطلاع على خصائصه ومنافعه أو الحكماء الذين اخترعوا آلة تصدر أصواتا بلا زعيق لملاقاة الأعداء. ويجمع الحكماء والأطباء اليونانيين معا في حالة ما إذا صعب علاج مريض حملوه إلى هيكل المشتري، وتصدقوا عنه، وقربوا قربانا، وسألوا الكهنة أن يدعوا الله له بالشفاء. فإذا برأ سموا ذلك طبا ومرضا وجنونا إلهيا، وأفلاطون حكيم اليونانيين على التخصيص وسقراط أيضا. ولفظ الفيلسوف عند اليونانيين معناه الحكيم. وقد توصف الكتابة باليونانية من أربعة وعشرين حرفا، واللغة اليونانية، وتوصف السنة باليونانية طبقا للتاريخ المحلي، كما تخصص بلاد اليونان وحكماء بلاد اليونان وصفا للجغرافيا.
53
وقد استعمل لفظ الحكماء كثيرا كلفظ عام للإشارة إلى كل المشتغلين بالعلم في أكثر من ثلثي الاستعمالات. ثم يخصص الحكماء بإضافة لقب آخر مثل الحكماء والفلاسفة الحكماء والعلماء، الحكماء والمتكلمون، الحكماء والفقهاء، الحكماء والأطباء، الحكماء والأنبياء، الحكماء والموحدون، الحكماء والعقلاء. وقد يكون التخصيص دون واو العطف مثل: الحكماء المنطقيون، الحكماء الطبيعيون، الحكماء الرياضيون، الحكماء الإلهيون، الحكماء الموسيقيون، الحكماء الربانيون، الحكماء المتألهون. وقد يخصص النوع مثل حكماء الجن وتحديدا لموضوعاتهم وأغراضهم وأقوالهم وأخلاقهم، وأكبر الإحالات إلى الحكماء والقرآن مما يدل على غلبة الموروث على الوافد.