11
بالرسائل سمات أدبيات الشيعة التي تم ترويجها عند أهل السنة مثل أدبيات الكرماني والعامري والسجستاني. بها ألفاظ الشيعة مثل ورثة الأنبياء، خلفاء الرسل في الأرض، الأئمة المهديون.
وتدل ألقابهم على المعارضة السياسة التي تبدأ بالفكر والعمل فهم «إخوان الصفا وخلان الوفا». يجتمعون على الصفاء والوفاء أي الصدق ضد غواية السلطة والنفاق.
12
ولأول مرة تعطي جماعة لنفسها عدة ألقاب كلها مدح وإطراء وشكر في النفس كما يفعل أهل السنة في وصف أنفسهم بأهل السنة والحديث، أهل الاستقامة. وتختلف الألقاب فيما بينها قصرا وطولا بين لقب سواحد «إخوان الصفا»، أو لقبين «إخوان الصفا وخلان الوفا»، أو ثلاثة «إخوان الصفا وخلان الوفا ومذاهب الربانيين الإلهيين» أو أربعة «إخوان الصفا وخلان الوفا وأهل العدل وأبناء الحمد» أو ستة «إخوان الصفا، وخلان الوفا، وأهل العدل، وأبناء الحمد، وأرباب الحقائق، وأصحاب المعاني»، ومنها خرجت كثير من حركة المعارضة السياسية كالقرامطة والحشاشين. والبعض انضم إلى الفكر اليوناني الخالص وانعزل سياسيا عن مقاومة الظلم الداخلي وإن قاوم الاحتلال الخارجي مثل الدروز والبعض أصبح مجرد أقلية سلطوية مثل النصيرية.
وقد توحي بعض الألقاب الأخرى بالسلب مثل القداح أي مبدع المكر، قداح الحكمة الخسلس أي أخ المختلس، والمتعصب إلا أنها أيضا تعني الفاعلية ومقاومة الشر بمثله، والظلم بمثله، وبعض ألقابهم إيجابية مثل زبد الهداية. لهم دولة تظهر عندما يصير الحكم والأمر إلى القدس ويبت المشتري ومثلثه الشمس، فتظهر في عالم السعادة، ويستقيم أمر الدين، وينتظم العالم كله على حكمة واحدة بعد الشتات. مدة حكمهم 159 سنة، إلى هذا الحد تصل الدقة في التنبؤ السياسي. ورئيسهم السابع الآتي في آخر الزمان منهم، سيد إخوان الصفا المحيط بعلوم من تقدمه من الرؤساء الستة. يعبرون عن فكر المعارضة وليس فكر السلطة، فكر الشيعة والحركات السرية، طهارة قوية ضد نفاق الخارج، وإعلاء للنفس ضد ضعف البدن.
13 (ب) الرسائل
هم أصحاب رسائل يعرفون بها، ولغة فيما بينهم خاصة بهم، تميزهم عن باقي الناس مثل الصوفية. الهدف منها بيان معنى أسرار التنزيلات النبوية وكشف أكثر الرموز والإشارات والنواميس، ولا يفهم خطابهم إلا من هو أهله، العلماء الفضلاء الذين تعرفوا على الجماعة ورسخوا في العلم، ومارسوا الرياضيات الحكمية المقرونة بأسرار الكتب الإلهية وإشارات الأنبياء. الغرض منها بيان سيرة الإنسان وأعماله وتشبيهه بأفعال الملائكة.
14
كل رسالة من الرسائل الإحدى والخمسين تتضمن علما أو فنا أو أدبا، وهي مكتوبة بلغة سهلة يفهمها الجمهور، ولما كان بيان اتفاق الحكمة والشريعة بحرا واسعا لزمت سهولة التعبير عن ذلك للعامة بالنكت والأمثال حتى يفهم المبتدأ معانيها، ويوضع ذلك على نحو وجيز ومختصر في نسق عام عقلي يقوم على إثبات وجود الله الصانع الباري الحكيم القديم الحي العالم. جعل العالم في ترتيب واتقان وتدبير طبقا لمراتب الموجودات واستعدادات الكائنات، لا فرق بين الطبيعة والإنسان، بين العالم الأكبر والعالم الأصغر. ويتم تعليم ذلك كما تتعلم الصنائع حتى تثبت للمتعلم صحته. فإن لم تقم على تصورات محددة فإنها كلها تمثل تصورا واحدا للعالم.
15
ويغيب عن الرسائل التحليل العقلي للتصورات. فلا توجد أفكار مبرهن عليها بل مجرد إعلان عن مواقف. والبرهان الوحيد هي الحجج النقلية وكأن القرآن وباقي الكتب المنزلة متفقة معهم دائما. خطابها موجه للجمهور العريض وليس إلى الخاصة، يعبر عن الفلسفة الشعبية وليست مناقشات الصالونات. لا تتضمن فلسفة برهانية استدلالية، لا أسلوب ولا مصطلحات ولا موضوع ولا حتى أخلاقا عملية واضحة بالرغم من البحث عن المعاني والدلالات. البراهين أبحاث نفسية. الإفحام بالبرهان، والإيهام بالخطابة والتوسط بالجدل. الإيهام بالشدو والإفهام بالتوسط، والإفحام بالتناهي. وأحيانا تبدو الرسائل ساذجة على قدر كبير من السطحية والعامية. لا يوجد فيها حث على الغضب والثورة والتمرد على الواقع الفعلي دون تعويض عن القهر بالنصر في عالم الخيال.