تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

16

يستعملون الرمز الديني والرياضي والطبيعي والإنساني مما يستدعي انتباه العامة والخاصة. يعتمدون على الخيال الشعبي والأمثال العامية والفن القصصي على لسان البشر والحيوانات والطيور. الأسلوب شعبي غير اصطلاحي يوافق هوى العامة على عكس الأسلوب المجرد العقلي المنطقي النسقي عند ابن سينا. يخاطب المشاعر، تسكينا للمستضعفين وعزاء للمضطهدين. الأسلوب غير جميل بالضرورة لكنه عاطفي خطابي إنشائي. لا يدل على نضج فلسفة الخاصة بل يعبر عن شعبية ثقافة العامة. فإذا وفق فلاسفة الخاصة في النقل وترجمة المصطلحات فإن رسائل الإخوان قد استطاعت تجميع هذا الخضم الهائل من الثقافة الشعبية التي تكشف عن فلسفة رجل الشارع التي تزاوج فيها الوافد مع الموروث لصالح الموروث. هي أقرب إلى الحلقات الشعبية والطرق الصوفية والمنتديات الثقافية الشعبية.

17

ولما كان هدف الجماعة استدراج أعضاء لها للانخراط فيها اتسمت الرسائل بما تتسم به أدبيات الدعوة الشيعية من تدليس وتمويه وتخف تحت ستار الدين والاكثار من النصوص إبهاما للعامة، والايحاء بالأسرار ذات المعاني الخفية حتى تتوه العامة فيتولى الداعية أمر هدايتها، ويتم التستر تحت الموضوع المحايد مثل الموسيقى أو أي موضوع آخر كمناسبة من أجل الإعلان عن شيء آخر، ويتم الاستشهاد بالأديان كلها لبيان وحدتها وربما لإخراج الناس من دين السلطة وزعزعته إلى دين آخر مناهض لها. يهدف أسلوب الرسائل إلى نزع مقاومة القارئ، والاستسلام كلية للإخوان، ونقله من علم إلى علم، وإخراجه من ولاءاته القديمة وإدخاله في ولاء جديد عن طريق التأويل. قد تكون عناوين الرسائل خادعة، وموضوعاتها نوعا من الغطاء السائر، الموسيقى، الفلك ... إلخ، والمقصود ضم القارئ إلى الدعوة وتجنيد أعضاء جدد لها. لذلك جاء التأليف مصطنعا وليس طبيعيا، موجها وليس محايدا.

ومن وسائل الإيهام إتعاب القارئ وجعله يلهث وراء الأسرار والمعميات والدخول في موضوع والخروج إلى آخر إما لأن الرسائل لا تقول شيئا أو لأنها تقصد فقدان القارئ أو المستمع القدرة على التفكير المنطقي المنظم. تخلط كل شيء بكل شيء، حتى يمل الإنسان فيفقد الاهتمام لأنها لا تهتم بشيء ويستسلم، ومن وسائل الإيهام التطويل الذي لا لزوم له فيتقبل المستمع عن جهل كل هذا العلم. وفي نفس الوقت الاعتماد على أشخاص معينين معروفين بالأفكار المعروضة حتى لا تكشف العامة مصادر الفكر أو تراجع عليه وتتحقق منه. وتوغل في التعليل والبحث عن دلالة كل شيء وعن علة لكل ظاهرة للإيهام بالعلم وبفهم حقائق الطبيعة. ويستعمل العلم لإيهام العامة به وهي الجاهلة حتى الأسماك والحيتان.

18

وتتخللها بعض النوادر للتسلية أو حوارات تشد الانتباه على ألسن الطيور والحيوانات أو مناظرات إشكالية مثل المنطق واللغة بين متى والسيرافي. وتظهر فيها أساليب الإقناع الشعبي كما هو الحال في الوعظ الديني والخطب على المنابر في الأعياد والجمع. وتتسم الرسائل ببعض التكرار، مجرد عرض مادة بلا منطق أو استدلال من أجل تدويخ القارئ بعد إرهابه بهذا القدر الهائل من المعلومات. والتكرار يعلم تصفية النفس للوصول إلى الله وهو غرض معظم الرسائل وجوهرها وسلخها من المجتمع الظالم إلى جماعة العدل. ويتكرر ذلك بأشكال أو تفصيلات جديدة عن الطريق بداية ووسط ونهاية، والمقصود إخراج الإنسان من عالم الواقع إلى عالم الوهم، ومن الحقيقة إلى الخيال حتى يمكن إخراجه من تحت سلطان الدولة، ومن ثم ترتبط النفس بعالم الكواكب، ويرتبط الملأ الأدنى بالملأ الأعلى تعويضا عن النقص في الدنيا ورفعا للروح المعنوية فيها. للظالم الجسد، وللمظلوم الروح كما هو الحال في التصوف. والحديث عن السحر والملائكة والجن والشياطين يثير الخيال. يبدأ الداعية بالتجربة الحسية والمشاهدات العيانية ثم ينتقل منها إلى الدلالات البعيدة.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الثاني التحول): (١) · الصفحة ٨١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الثاني التحول): (١)ص ٨١