تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم

أو في قول المسيح ماذا تكسب لو كسبت العالم وخسرت نفسك؟ (2)

آثر أفلاطون عدم تدوين العلوم وتأليف الكتب، وفضل إبقاءها في الصدور والعقول. ولما خشي عليها من النسيان عبر عنها بالرموز والألغاز حتى لا يطلع عليها إلا أهلها ومستحقوها، وهي طريقة «المضنون به على غير أهله»، وسبب استعمال الصوفية أيضا رموزهم وألغازهم حماية لأنفسهم وإبعادا لأهل الظاهر عنها. أما أرسطو فقد دون الكتب ورتبها وبينها وأوضحها لإيصالها للناس. والحقيقة أن هذا الاختلاف ليس كليا مطلقا؛ فعند كل من الحكيمين بعض مآثر الآخر. ألغز أرسطو وأخفى بعض علومه، وحذف كثيرا من المقدمات الضرورية في القياسات الطبيعية والإلهية والخلقية، وكان يقول الحقائق إلى المنتصف حتى يدرك الناس بعقولهم النصف الآخر. استعمل هذه الطريقة في رسائله مع الإسكندر «وكل لبيب بالإشارة يفهم». يعطي المقدمات كي يستنبط الإسكندر النتائج أو يعطي النتائج حتى يستنبط الإسكندر المقدمات. يذكر مقدمات ويستنبط منها نتيجة أخرى حتى ينبه القارئ على نتيجة القياس. يذكر الجزئيات حتى يستقريها القارئ ويصل إلى الكليات أو يعطي الكليات حتى يستنبط السامع منها الجزئيات أو يقيس عليها جزئيات أخرى قياسا تمثيليا. وقد يغمض في كلامه حتى يقوم القارئ بالإيضاح بنفسه وإعمال الجهد في العلم والتعلم. رتب الكتب ونظمها، وكأن ذلك طباع له ثم تحول عنها في رسائله، وكما وضح ذلك في رده على أفلاطون في رسالته التي يعذله فيها على تدوين العلوم وإخراجها للناس بأن ترتيبها لا يفهمه إلا من يستحقها؛ فالظاهر أن الحكيمين مختلفان. والحقيقة أن مقصودهما واحد.

18 (3)

وقدم الجوهر عند أفلاطون غير قدمه عند أرسطو؛ ففي «طيماوس» و«بوليطيا الصغير» أشرف الجواهر عند أفلاطون وأقدمها القريبة من العقل والنفس البعيدة عن الحس والمشاهدة، في حين أنها عند أرسطو في «المقولات والقياسات الشرطية» أي القياس الأشخاص والأعيان. وهو خلاف في الظاهر لأن الحكماء يفرقون بين الأقاويل والقضايا في الصناعات المختلفة. ويتكلمون على الشيء الواحد بطرق مختلفة حسب مقتضى الصناعة. جعل الحكيم أرسطو الجوهر الشخص في صناعة المنطق وفي علم الطبيعة فتصوره جوهرا محسوسا. أما الحكيم أفلاطون فقد تكلم عن الجوهر في علم ما بعد الطبيعة وفي الأقاويل الإلهية. فتصور الجوهر بسيطا باقيا لا يتحول ولا يندثر. الفرق بين الحكيمين هو فرق بين العلمين. (4)

وإذا كان أفلاطون قد آثر في توفية الحدود طريق القسمة في حين أن أرسطو آثر طريقة البرهان والتركيب؛ فالحقيقة أن الخلاف في المنهج وليس في الموضوع، في الطريقة وليس في الشيء. أفلاطون يؤثر القسمة التي هي أقرب إلى الاستنباط، والانتقال من الكلي إلى الجزئي في حين أن أرسطو يؤثر التركيب أي البرهان وهو أقرب إلى الاستقراء والانتقال من الجزئي إلى الكلي. يتبع أفلاطون الجدل النازل في حين يتبع أرسطو الجدل الصاعد. الخلاف في اتجاه الحركة نحو الموضوع والاقتراب منه من أعلى كما يفعل أفلاطون أو من أسفل كما يفعل أرسطو، من علم ما بعد الطبيعة والعلم الإلهي كما يفضل أفلاطون، أو من علم الطبيعة وعلم المنطق كما يفضل أرسطو . يستعمل أرسطو بعض القسمة كما هو الحال في القياس، ويستعمل أفلاطون بعض التركيب عندما يقسم العام إلى فصلين ذاتيين ثم كل فصل ذاتي إلى فصلين ذاتيين. القسمة تركيب مقلوب إلى أسفل كما أن التركيب قسمة مقلوبة إلى أعلى. الهدف واحد هو الوصول إلى الشيء سواء من جنسه ونوعه كما يفعل أفلاطون أو من فصله وخاصته وأعراضه كما يفعل أرسطو.

19 (5)

قيل إن أفلاطون في القياس المختلط من الضروري والوجودي جعل المقدمة الكبرى ضرورية والنتيجة وجودية لا ضرورية في قياس أتى به في «طيماوس»؛ فالوجود أفضل من الوجود، والطبيعة تشتاق إلى الأفضل دائما فينتج عن ذلك أن الطبيعة تشتاق إلى الوجود وهي مقدمة ليست ضرورية؛ فلا ضرورة في الطبيعة. في وجود الطبيعة على الأكثر في حين أن أرسطو يصرح في كتاب «القياس» أن القياس الذي تكون مقدماته مختلطة من الضروري والوجودي وتكون الكبرى ضرورية تكون النتيجة أيضا ضرورية. وهو خلاف ظاهر بين الحكيمين. والحقيقة أن هذا الخلاف يرجع إلى الشراح «الإسكلائيين» مثل أمونيوس حتى ثامسطيوس اللذين نسبا هذا القول إلى أفلاطون، لقلة تمييزهم وخلط صناعة المنطق بالعلم الطبيعي؛ فقد رأوا لزوم الحد الأول للأوسط ضروريا ولزوم الأوسط للآخر وجوديا. خلطوا بين المنطق والطبيعة، ولم يعرفوا أن القياس مؤتلف من موجبتين في الشكل الثاني. وقد لخص الإسكندر ذلك في «معنى القول على الكل» عند أرسطو ولخصه الفارابي في «أنولوطيقا»، وفرق بين الضروري القياسي والضروري البرهاني؛ ومن ثم فلا خلاف بين أفلاطون وأرسطو. كما ادعى الشراح أن أفلاطون يستعمل ضربا من القياس في الشكلين الأول والثالث الذي فيه المقدمة الصغرى سالبة في حين أن أرسطو بين في «أنالوطيقا» أنه غير منتج. وقد بين الفارابي من قبل أن الذي أتى به أفلاطون في كتاب «السياسة» وأرسطو في كتاب «السماء والعالم» ليست سوالب بل موجبات معدولة ولا تمنع القياس أن يكون منتجا. ذكر أرسطو في الفصل الخامس من كتاب «باري هرمنياس» أن الموجبة التي المحمول فيها ضد من الأضداد تكون سالبته أشد مضادة. وظن الناس أن أفلاطون يخالفه في ذلك اعتمادا على أقاويله السياسية والخلقية من أن الأعدل متوسط بين الجود والعدل، والحقيقة أن الغرضين مختلفان. فغرض أرسطو بيان معاندة الأقاويل وأنها أشد وأتم معاندة، فمن الأمور ما لا يوجد فيها مضادة ألبتة في حين أنه لا يوجد أمر إلا وله سالب معاند. غرض أفلاطون بيان المعاني السياسية ومراتبها لا معاندة الأقاويل وهو ما بينه أيضا أرسطو في «نيقوماخيا الصغير». فلا خلاف بين الحكيمين.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الثاني التحول): (١) · الصفحة ٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الثاني التحول): (١)ص ٧