تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

259

ويتحقق أبو البركات من صدق هذه الآراء الثلاثة. ويقبل الرأي الأول الذي يقوم على الوحي والنبوة. وهو رأي بعض الحكماء أيضا دون تأويل حتى ولو أشكل الجواز والتعليل، ويناقش كلام الحكماء، أفلاطون وشيعته، يتأمله ويعارضه ويسأل عن جوازه وامتناعه أو وجوبه وعن كيفيته ولميته. وهو لا يختلف عن الرأيين الأول والثالث إلا في طريق الإثبات، القسمة التي توجب تطابق عالم الأذهان مع عالم الأعيان.

وإذا كان عيب العرض غياب الدلالات والاكتفاء بإعادة بناء العلم الوافد من وجهة نظر الموروث اعتمادا على العقل الخالص مع نوع من البرودة والحياد والخالي من التجارب الشخصية فإن هذه الدلالات تكثر في العلم الإلهي مكان التعشيق بين الوافد والموروث. ويتكون الجزء الثالث «العلم الإلهي» من مقالتين بلا عناوين وتتضمن كل منهما عدة فصول. ويضم أيضا علم الطب والأخلاق أي البدن والنفس لما كان موضوع النفس هو الحلقة المتوسطة بين العلم الطبيعة والعلم الإلهي. ويسمى أيضا إلهيات، من إله وليس من الله.

260

والعلم الإلهي هو العلم بالموجود بما هو موجود. ويسمى الفلسفة الأولى. وموضوعه الله وملائكته، صفاته وأفعاله وأسماؤه وكأننا في علم الكلام. وهو نفس مفهوم العلم الطبيعي، الزمان والمكان، والجوهر والعرض، والصورة والمادة، والعلة والمعلول مما يدل على أن العلمين علم واحد كما لاحظ الفارابي في إحصاء العلوم واضعا العلم الطبيعي والعلم الإلهي في نفس العلم. وأهم موضوع فيه قدم العالم وحدوثه، الموضوع الشهير بين المتكلمين والفلاسفة والصراع بين القدميين أنصار القدم والحدثيين أنصار الحدوث. القدميون هم الدهرية الذين سموا الحدثيين معطلة لتعطيل الله عن وجوده.

261

وكالعادة يبدأ «المعتبر» بالبسملة، والله ولي التوفيق. ويضيف الناسخ بعد اسمه «رضي الله عنه»، وبالحمدلة والشكر على الأفضال والآلاء. بل ويبدأ كل مقال بها بالإضافة إلى أن التوفيق من الله وعليه التوكل وبه الاستعانة وإليه الإنابة.

262

وتظهر العبارات الإيمانية في آخر كل مقالة مثل الحمدلة والصلاة على محمد النبي وآله الأكرمين وسلم تسليما، وهو حسبي وعليه أتوكل. والله أعلم بالصواب مع الشكر للنعماء، بالإضافة إلى الناسخ وخطه وتاريخ النسخ الأول والثاني.

263

ويتم الانتقال بسهولة ويسر من مدح الله إلى مدح السلطان سواء من المؤلف أو من الناسخ.

264 (8) مقاصد الفلاسفة (الغزالي)

وهو نوع من العرض الكلي من أحد خصوم الفلاسفة وهو الغزالي (505ه) قبل أن يكتب «تهافت الفلاسفة». فالعرض الموضوعي يسبق النقد؛ فإلى أي حد يمكن للناقد أن يعرض عرضا موضوعيا أم أن كل عرض قراءة؟ لذلك يخرج الغزالي عن القاعدة، ولا ينتظر نقد الفلاسفة في «التهافت» ويبين في الطبيعيات فساد استنباطهم.

265

وهو من حيث «التحول» يكون في التراكم، تنظير الموروث قبل تمثل الوافد، نظرا لأولوية الاستشهاد بالحديث والقرآن وباللغة العربية والفقه والكلام على الاستشهاد بأرسطو.

266

صحيح أنه ما زالت تظهر بعض الألفاظ المعربة مثل إيساغوجي، السكنجين، الكروبيون، يونانية وفارسية وعبرية دون ميزة خاصة لليونانية، وهو عرض وجيز وواضح. فمن يبغي النقد عليه أن يكون قادرا على العرض لمقاصد الفلاسفة أكثر من الفلاسفة أنفسهم.

بل إنه يستخدم الجداول لبيان ضرورة الشكل الأول منتجها وعقيمها، ويكشف العنوان «مقاصد الفلاسفة» عن النوايا والبواعث والأهداف وليس الآراء والمعتدات والمذاهب فالفلسفة مقاصد الشريعة. وكل ما سواها تطويل وحشو وزوائد على سبيل الاقتصاص والحكاية.

267

ويشمل العرض أقسام الحكمة الثلاثة؛ المنطق والطبيعيات والإلهيات، ولكن الغزالي يقدم الإلهيات على الطبيعيات ويبرر ذلك بأهمية الإلهيات وكثرة الخلاف فيها ولأنها غاية العلوم ومقصدها. وتؤخر لغموضها وعسر الوقوف عليها قبل الوقوف على الطبيعيات.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الثاني التحول): (١) · الصفحة ٧٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الثاني التحول): (١)ص ٧٦