268
ومن حيث الكم تأتي الإلهيات أولا ثم الطبيعيات ثم المنطق.
269
وتغيب الرياضيات والمنطقيات والطبيعيات والإلهيات. وليس في الرياضيات، الحساب والهندسة ما يخالف العقل وبالتالي لا يمكن إنكارها أو جحدها. ولا سبيل إلى الرد عليها. والمنطقيات أكثرها على منهج الصواب والخطأ نادر فيها. إنما يخالف الفلاسفة أهل الحق فقط في المصطلحات والإيرادات دون المعاني والمقاصد. غايتها تهذيب طرق الاستدلالات، وهو ما يشارك فيه النظار جميعا. والطبيعيات الحق فيها مشوب بالباطل، والصواب فيها مشتبه بالخطأ. ليس فيها غالب ولا مغلوب. أما الإلهيات فأكثر عقائدها على خلاف الحق، والصواب نادر فيها. هناك إذن تدرج من الصواب المطلق في الرياضيات إلى الصواب الغالب في المنطقيات إلى الصواب المشوب بالخطأ في الطبيعيات إلى الصواب الأقل في الإلهيات. على نحو نازل ابتداء من الصواب، ومن الخطأ الغالب في الإلهيات إلى الخطأ المشوب بالصواب في الطبيعيات إلى الخطأ الأقل في المنطق إلى غياب الخطأ المطلق في الرياضيات ابتداء من الخطأ على نحو صاعد وهو أقرب إلى المنطق التقليدي باستثناء بعض الإشارات إلى اللغة العربية وأساليبها في الحديث والفرق بينها وبين الأعجمية والبيئة الجغرافية العربية وبعض الأمثلة الفقهية والكلامية كمادة شارحة للمنطق.
270
في المنطق تظهر الأمثلة المحلية اللغوية كعادة العرب في الحديث عن زيد وعمرو وعبد الله.
271
كما يبدو التقابل بين اللغة العربية واللغة الفارسية أو الأعجمية.
272
إذ يفترق السالب والموجب في القضايا بين العربية والفارسية. كما يظهر التقابل أيضا في الإلهيات في معنى الألفاظ مثل الوجود. كما تظهر الجغرافيا المحلية من البيئة العربية، الحجاز والعراق. ويضرب المثل بالمتواترات العلم بوجود مصر ومكة.
273
ويظهر الموروث الفقهي والكلامي كمادة جديدة للمنطق. ويصح الاعتماد على الاستقراء في الفقهيات في اليقينيات. وفي الفقهيات كلما كان الاستقراء أشد استقصاء وأقرب إلى الاستيفاء كان أقرب إلى اليقين وأبعد عن الظن. ويسمي الفقهاء والمتكلمون المثال قياسا، قياس الجزئي على الجزئي، ويستعمل الغزالي بعض مصطلحات علم أصول الفقه مثل السبر والتقسيم وهو من مباحث العلل، مما يدل على استحالة عرض المنطق موضوعيا دون إعادة قراءة الوافد من خلال الموروث. ويضرب المثل بالتصديق بالمعجزات على المتواترات، وعلى المشهورات بقدرة الله على كل أمر صادق؛ لأن إنكار ذلك مستقبح وليس بصادق فإنه ليس قادرا على أن يخلق مثل نفسه، بل يقال هو قادر على كل أمر ممكن في نفسه. هو عالم بكل شيء ولا يقال عالما بوجود مثل له، ويضرب المثل بسؤال «هل الله موجود؟» على مطلب هل.
274
ويظهر الله كفكرة محددة في المنطق. فالسلب يصح على المعدوم، مثال ذلك شريك الله ليس بصيرا ولا يقال شريك الله غير بصير.
275
والإلهيات أيضا أقرب إلى الإلهيات التقليدية.
276
فالله هو سبب الوجود كله. موضوعها بريء عن المادة، أعم الأمور العامة وهو الوجود المطلق. ويسمى العلم الإلهي وعلم الربوبية. ومبحث الجوهر والأعراض والصورة والمادة والعلة والمعلول، والزمان والمكان، والكم والكيف والحركة والسكون مباحث مشتركة بين الطبيعيات والإلهيات، مرة بلغة النسبي ومرة بلغة المطلق. والباري غير منقسم كالنقطة لا بالقوة ولا بالفعل لأن واحدا غير متكثر يعلم الأجناس والأنواع والممكنات الحادثة. لا يجوز أن يعلم الجزئيات علما يدخل تحت الماضي والمستقبل والآن. بيده الخير والهداية
الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى ،
والذي قدر فهدى . وهو منزه عن كل نقص «أنت كما أثنيت على نفسك لا أحصي ثناء عليك.»
277
ويتم الاستشهاد بأرسطو من منظور إسلامي، مثل إن الله يدرك جمال ذاته كما ندرك جمال ذواتنا. كما تعرف الملائكة أنفسها. والناس عاجزون عن إدراكه «والعجز عن درك الإدراك إدراك.»