255
وأكبرها الجزء الأول عن السماع الطبيعي، وأصغرها الرابع عن الآثار العلوية والمعادن.
256
وبعض الأجزاء تشير إلى فصولها على العموم مثل الثاني، والبعض الآخر يحدد عددها، أحد عشر فصلا في الثالث، وثلاثون في السادس، والبعض الآخر لا يذكر الفصول لا على العموم ولا على الخصوص مثل الأول والرابع والخامس.
والعرض للمعاني والأعراض في الأجزاء الأخيرة التي تحيل إلى أسماء كتب أرسطو، المعاني أي الموضوعات الرئيسية والأعراض أي الظواهر الفرعية. ليس العرض شرحا أو تلخيصا أو تعليقا على الأقوال بل تناولا للموضوعات ذاتها، الرئيسية منها والفرعية. الجزء الأول عن السماع الطبيعي يتحدث عن «المطالب» أي الموضوعات.
ولا يعني العرض مجرد وصف أو تقرير، بل يعني أيضا المراجعة والتحقق من صدق المواد المعروضة. لذلك يظهر في عناوين الأجزاء الأول، «وتحقيق القول فيها»، والثاني والثالث والرابع والخامس «وتحقيق النظر فيها» باستثناء السادس عن النفس لإكمال المادة وإدخال بعد جديد فيها، نظرية الاتصال.
257
ويبرز البعد الإلهي في السماع الطبيعي في النهاية واللانهاية المقولين في المكان والزمان وغيرهما. فقد عظم بعض القدماء اللانهاية وقال إنه هو الله تعالى والمبدأ الأول. وفي مبحث الزمان يذكر قول البعض إن الدهر هو الله ونسبته إلى متبدلات خلقه هو الزمان، وقول آخرين إن الزمان هو أول ما خلق الله في الأزل، وهو صانعه وفاعله ولا يتقدم عليه إلا بالذات لا بالزمان. ولا يعارض أبو البركات القول بأن الله هو الدهر في التسمية الوضعية الذاتية والنسبية؛ إذ لا معارضة في الأسماء. وتختلف صفات الناس وأفعالهم على درجات؛ فمنها ما ينحط إلى درجة الحيوان ومنها ما يرتفع إلى درجة الملائكة مثل الأنبياء والأولياء والزهاد والعلماء، ولهم عجائب الصنائع ووثائقها وغرائب التدابير ومحاسنها. وفي النفس، في موضوع وحدة النفوس الإنسانية أو كثرتها بالشخص أو بالنوع يظهر موضوع النبوة التي اعتبرها الحكماء خاصية لنفس شريفة. وفي فصل «في خواص النفوس الشريفة من النفوس الإنسانية ونوادر أحوالها» يضرب المثل بنفوس الأنبياء أصحاب الهداية والرواية، والرسل بين الله وخلقه مبشرين ومنذرين، معلمين ومبصرين، مجرين المعجزات بقدرة الله التي يخص بها الأرواح والملائكة، ومعهم كتاب أو صحيفة من صحائف الوجود، وأم الكتاب يضم علم الله المسبق يقرؤها ذوو الأبصار باللسان والقلب والعين، لا غلط فيه. شواهدها صادقة. وحذر سليمان من الكتب المصنوعة من الخواطر وأمالي الأوهام والصناعات الإنسانية طويلة العمر قصير كما قال بقراط.
258
ويضيف أبو البركات مادة جديدة في المقالة الخامسة عن الحيوان والنبات فصلا أخيرا، الفصل الثاني عشر في الجن والأرواح معترفا بنهاية كتابي أرسطو وإضافة هذا الجزء بناء على سؤال «رفيقي أيده الله» نظرا لأن القائلين بهم أدخلوهم في زمرة الحيوان، ورأوهم نوعا مقابلا لنوع الإنسان وجوزوا ذلك بالنظر الحكمة بينما نفاه الآخرون وبالتأمل الحكمي الصادق وشواهد التجارب والاعتبارات من الآثار والأخبار فافترق الناس فيه بين الإثبات والنفي والتجويز.
ويجيب أبو البركات الصديق السائل بداية بتحليل مصادر المعرفة. الأول الوحي والنبوة المخبرة بوجودهم على ألسنة الأنبياء والحكماء والمرويات في الكتب والأخبار. فقد أخبر الأنبياء بوجود أشخاص لا تدركهم الأبصار تتشكل على ألوان يجوبون الفضاء والأرض ظاهرها وباطنها، يفهمون ويتكلمون ويتناجون ويخبرون ويتذرون يبشرون ويحذرون، يؤمنون ويكفرون. والثاني الحكماء والنظار مثل أفلاطون وشيعته عن طريق القسمة العقلية وكأن القسمة الذهنية تتطلب بالضرورة الوجود الواقعي؛ فالحيوان إما ناطق غير مائت وهم الملائكة وسكان السموات، وإما ناطق مائت وهو الإنسان، وإما مائت غير ناطق وهو الحيوان، السباع والبهائم، وناطق غير مائت وهم الجن. والثالث المشاهدة والرؤية والأخبار الموثوق بها، وتنتهي إلى مثل ما يقول به الأنبياء بالإضافة إلى أنهم يدخلون في أبدان الناس ويتصرفون فيها تصرف الأرواح التي خلقت لها، ويخبرون أرواحها الخاصة بها، ويخبرونها وينفعونها، ويمرضون الأبدان ويشفونها ويعطلونها. قال ذلك بعض الحكماء الذين يقولون بالعزائم والرقي والتنجيم والرؤيا.