208
كما ينتهي ابن سينا إلى رفض المخالف للحق والمضاد والمناقض له مثل نظرية الصور أي المثل وهو مذهب الحكماء الأقدمين. ويستعمل لفظ «اقتصاص» أي تمحيص ومراجعة وفحص وبيان. كما يبحث عن السبب في القول بالمفارقات وعن أصل الجهل الذي كان سبب الضلال. فالفلسفة مقاومة الخطأ والكشف عن الضلال. وهو تمحيص من ابن سينا بالرغم من قيام أرسطو قبل ذلك في الفلسفة اليونانية. ومهما حاول البعض التخلص من الأوهام فإنه يعجز عن ذلك ويقوم ابن سينا بالمهمة بدلا عنه.
209
ويستعمل ابن سينا مقولتي الظن والحق في النقد. فأقوال الشراح المناطقة ظن لا يرتقي إلى مرتبة الحق الذي يبحث عنه. وهما مقولتان قرآنيتان على التقابل. مهمته تبديد الظنون كما بدد الشكوك، والوصول إلى الحق كما وصل من قبل إلى اليقين. وقد يكون الحق من جانب الجمهور، ويكون سبب الخطأ هو تشبه البعض منهم بالفلاسفة عن جهل وعدم دراية بالعلل والأسباب تقليدا منهم. فأحد أسباب الخطأ الجهل بالأسباب، والانتساب إلى العلم من ليسوا أهلا له وضعفاء التمييز ومن يستخفون بالأمور.
210
ويلجأ ابن سينا إلى حسن العدل والإنصاف عند الناس. ويستدعي التجربة المشتركة بينه وبينهم في جبهة واحدة ضد أخطاء الشراح والمفسرين. ويعطي وصايا وتحذيرات مما يدل على أنه يعرف الحق وينبه على الخطأ حتى في العناوين الجزئية للقياس بالرغم من الأشكال والمعادلات النظرية المجردة الغالبة عليه.
211 (7) المعتبر في الحكمة (أبو البركات البغدادي)
لم يكن ابن سينا والغزالي وحدهما صاحبي العرض النسقي المنطقي بل شاركهما فيه أبو البركات البغدادي (547ه) في «المعتبر في الحكمة» الذي يعادل «الشفاء». ولو أنه عرض لبناء الحكمة لكان أقرب إلى «تمثل الوافد قبل تنظير الموروث»، وهو النوع الأدبي الثاني من التأليف نظرا لأولوية الوافد فيه على الموروث.
212
لذلك يظهر النقد بين الحين والآخر للحالة الراهنة للمنطق. ويدل على ذلك عبارات مثل «وهذا كلام مدخول».
213
كما تظهر أفعال القول في ضمير المتكلم الجمع «قلنا» أو المفرد «نقول» أكثر من «قال»؛ لأن أبا البركات هو الذي يتحدث وليس أرسطو.
214
ويتوجه البغدادي أحيانا إلى المخاطب وضرب الأمثلة له والتراسل معه، وتحليل التجارب المشتركة.
215
مع الدعوة له بالبقاء، ويوجد تعليق بين الحين والآخر، من المؤلف أو الناسخ أو القارئ. والغالب أنه من المؤلف.
216
وقد يذكر أبو البركات في آخر الفصل بإزالة اللبس الذي وقع في أذهان المناطقة مخالفة لأرسطو.
217
ويدافع عن أرسطو ضد اتهام المتأخرين له بأنه أغفل وضع كتاب في القضايا الشرطية. وربما صنفه ولم ينقل إلى العربية.
218
وفي موضوعات العلوم ومطالبها ومسائلها ومبادئها ينقد أبو البركات تقليد المتأخرين للنقول القديمة وجعلها ضرورية في العلم والتعليم فطولوا وتعدوا الواجب وما أوجبوه وامتلأت تصانيفهم بالتخليط وإدخال مسائل علوم في علوم أخرى فاختلط التعليم بالتقليد، والتقليد بالتعليم فخرجوا من زمرة الفلاسفة الذين يرتبون بياناتهم على الترتيب المنطقي.
219
ويحذف أبو البركات كل إطالة وإسهاب لا لزوم له في موضوع أن لكل جسم حيزا واحدا طبيعيا وأن فيه مبدأ حركة يسكنه فيه أو يحركه فيه أو إليه.
220
وقد يكون موضوع الفصل شرح أقوال فيه لمراجعتها والتحقق من صحتها مثل «في شرح كلام من قال إن الله تعالى لا يحيط علمه بالموجودات»، «في اعتبار الحجج المنقولة عن أرسطوطاليس»، «في مناقضة الاحتجاج المنقول عن ابن سينا»، «في ذكر رأي أرسطو وشيعته في بداية الخلق»، «في إعادة النظر فيما قد قيل في النفوس والعقول المفارقة»، «في تتبع ما قيل في بداية الخلق من العقول المفارقة ونفوس الأفلاك وأجرامها»، «كلام في الحركة وما يشبهها».