202
وبالرغم من أن ابن سينا يبدأ بمحاذاة التعليم الأول إلا أن إبداعات الجزئية المتناثرة والمطمورة تحت النسق تمكن من رؤية الكلي الذي يتجلى في التحقق من صدق النسق وتبديد الشكوك حوله حتى يزداد عقلانية واتساقا. ويحاول تبديد هذه الشكوك في الإلهيات اعتمادا على بيان المبادئ نفسها.
203
وفي الفلسفة هناك معيار للصدق. هناك حق وباطل، صواب وخطأ، صدق وكذب ليس فقط من ناحية شكل الفكر والمنطق الصوري ولكن أيضا من حيث المضمون مثل القول بالغائية في مقابل البخت والاتفاق. ويتم الجدل مع الخصوم كما هو الحال في علم الكلام مثل إثبات الغائية والرد على منكريها كما تفعل المعتزلة ضد الأشاعرة ورفض المصادفة والاتفاق والعبث. فالغائية لا تنفي الحرية. هناك فرق بين الغائية والضرورة. لذلك كان للعلة الغائية الأولوية على باقي العلل. يبدأ ابن سينا من التيارات الموجودة في عصره عند الحكماء أو المتكلمين أكثر مما يبدأ من اليونان بعد أن تحول الوافد إلى موروث فرعي بالإضافة إلى الموروث الأصيل. ويستعمل ابن سينا كل وسائل الجدل، التسليم افتراضا بحجج الخصوم من أجل تفنيدها بعد ذلك. ويحلل موقف السوفسطائي الذي يقوم على الإنكار باللسان وهو العناد أو تعرض له شبهة أو تختلط فتسد عليه طرفي النقيض. ومن ثم يتعامل مع الفيلسوف بأسلوب الجدل والحوار، قياسا على قياس. ويضطر السوفسطائي أحيانا إما إلى الإعراض والسكوت أو إلى التسليم. أما المتحيز فيتم التعامل معه بحل شبهته. ومن ثم يكون الفيلسوف هو صاحب البرهان.
204
ويكشف المسار الفكري عن القدرة على المراجعة والتحقق من صدق ما يقال. فهو فكر يراجع ويتحقق في إطار نظرية عامة من الصدق. ولا يعرض ابن سينا أي قول دون مراجعة وتحقيق وتصديق. وفي إطار عملية التحقق يتم التخلص من الشبهات واكتشاف الغلط والفساد. ويطلق ابن سينا على هؤلاء المغفلين المتعصبين الذين لا يعجبه أقوالهم المليئة بالظنون والشفاعات والأخطاء والتخليط وتأويلات غير مناسبة وضعيفة. والحق والإنصاف ما ينتهي إليه ابن سينا. وهو لا يراجع إلا ما يستحق المراجعة. أما الذي لا يستحق ذلك فإنه يتركه. وهي في الغالب أقوال المتكلمين التي هذوا بها دون أن يخصص لها، كما فعل الكندي وابن رشد، في البداية والنهاية، أعمالا خاصة لنقدها وتجاوزها.
205
ويعرض حجج كل فريق ثم يقارن بين الموقعين مؤيدا أحدهما على الآخر أو يتجاوز إياهما لموقف ثالث متكامل ضاما الطرفين في مركب جدلي جديد. ويبين مسار الفكر خطين يميل ابن سينا إلى أحدهما، ينصر رأيا على رأي، ويرجح موقفا على آخر دون تحديد لهويتهم وأسمائهم حرصا على الطابع النظري اللامشخص. فابن سينا يتعامل مع أفكار لا مع أشخاص، ومع آراء لا مع أفراد، ومع تأليف لا مع مؤلفين.
206
ولا تعني المراجعة والتحقق بالضرورة النقد بل قد تعني أيضا الموافقة وألا كان تعصبا ورفضا مبدئيا مذهبيا خاصة وأن ابن سينا صاحب نسق.
ويحلل ابن سينا نشأة الخطأ عن التعصب والغفلة، وأحيانا يرجع الأقوال الخاطئة إلى الإهمال، ويحذر من الألفاظ المغلطة المشتركة ويبين أهمية الاصطلاح، ويحلل الألفاظ كما هو الحال عند الأصوليين. وقد يرجع الخطأ إلى سوء التأويل. وأحيانا يكتفي بأنه لا يعجبه ما يقال مستعملا الاستحسان المباشر كما هو الحال عند الأصوليين. ويصرح أحيانا بأنه لا يفهم ما يقال حق الفهم. ولعل غيره أقدر منه على الفهم تواضعا أو تهكما.
207
ويراجع الإلهيات ويكتشف بطلان نظر الخصوم في موضوع هذا العلم، وتتم مراجعة الإلهيات بالعودة إلى الطبيعيات؛ فالإلهيات طبيعيات مقلوبة تقوم على قياس الغائب على الشاهد. كما يبين خطأ الخصوم وغلطهم وفساد أقوالهم وكذب ادعاءاتهم وفساد دعاويهم واستحالة مواقفهم. بل يبحث عن أصول أسباب الغلط رادا الأغلاط إلى أسبابها الأولى، والغلط مثل الخطأ والكذب والفساد والاستحالة. ويعتمد على البر والتقسيم لتعديد الأقسام والتحقق من صحة كل قسم، صدقه أو كذبه حتى ينتهي إلى صدق أحدها.