189
والغالب هو الفعل الماضي للتذكير بما سلف.
190
والمضارع يبين الخطوة الحالية للقارئ.
191
والغاية هو الحصر والاستقصاء الذي يسميه ابن سينا على سبيل الاقتصاص.
192
ويستعمل لفظ الهداية لإرشاد القارئ وتنبيهه على مسار الفكر. وأحيانا يكون الإعلان عن الشيء نفسه باسم الإشارة من أجل رؤيته بعد توضيحه.
193
والعود على ما بدأ يمنع من الاستطراد وفتح القوسين توضيحا للمسار الكلي وتحقيقا للغرض، حرصا على الإيجاز ومنعا من التطويل. العودة إلى الرأس أي العودة إلى الأصل والموضوع بالرغم من طول النطق والإسهاب خاصة في أشكال القياس، ولا يذكر ابن سينا كل الأمثلة في القياس بل يختار بعضها، وإيراد الجزئيات يطيل الكلام. ومن لا يصدق الكل لا يصدق الأجزاء خاصة لو كان الموضوع عن رؤية ومشاهدة ورواية عن الصادق، لا فرق في ذلك بين أرسطو والنبي والإمام. وفي نفس الوقت قد يحتاج ابن سينا إلى الشرح والزيادة للإيضاح. فالغاية النهائية قد القول على المعنى أو بتعبير البلغاء العرب، التعبير عن مقتضى الحال.
194
وعندما تظهر لحظات الفكر الثلاث يتضح مسار الفكر، مقدماته ونتائجه وطرق استدلاله. فهو ليس شرحا للقول أو تلخيصا له. وليس ترجمة له وتعليقا عليه. بل هو تفكير في معاني القول وإعادة النظر فيها وصبها من جديد في مسار فكري مستقل متسق الخطوات، كل خطوة لاحقة قائمة على الخطوة السابقة، قيام الفرع على الأصل، وهو انتقال طبيعي وذهني ومنطقي.
195
مثلا فإن إثبات المبدأ الأول لا يتم إلا عن طريق الاستدلال من المحسوسات كما هو الحال في علم الكلام بل ومن الكليات كما هو الحال في الفلسفة، الأول طريق بعدي، والثاني طريق قبلي.
196
ويحيل الفكر إلى نفسه بالرغم من تقسيماته وتفصيلاته وخطواته. كل فن يحيل إلى الفن السابق أو اللاحق، وكل بداية تعقبها نهاية ثم تحيل إلى بداية أخرى، فالمسار الواحد يتعدد إلى عدة مسارات على نحو لولبي تصاعدي حتى يتحقق المسار الكلي وتظهر بنية النسق مما يخفف من الطابع الصوري التركيبي للشفاء خاصة، هرم بلا قاعدة، وبناء بلا أساس. عالم مغلق بلا أبواب أو نوافذ لا يكاد يخرج منه أو يدخل إليه أحد. يقدم ابن سينا ويؤخر الموضوعات طبقا للنسق والعادة؛ فبيان الحق وتبديد الشكوك والظنون والأوهام موزع في عدة فنون، والأقوال المشهورة والأقوال العلمية كل في مكانها. القياس له مكانه، والبرهان له مكان آخر. وكل كتاب من كتب المنطق له موضعه وغايته حيث تصب كلها في البرهان.
197
ويحال إلى باقي العلوم البيان ارتباط جوانب النسق الثلاثة، المنطق والطبيعيات والإلهيات؛ لأنه يعبر عن بنية العقل، المنطق للذات، والطبيعة للموضوع، وما بعد الطبيعة لعلاقة الذات بالموضوع، الذات عندما تقترب، والموضوع عندما يتم تجاوزه.
198
وأكثر الإحالات إلى المنطق، وهو المرادف للمعلم الأول، مثالي النزعة. لذلك اتفق مع الإلهيات. ويتضح ذلك خاصة في «النجاة» إذ يشار إلى المنطق باستمرار في الإلهيات في حين أنه لا يشار إلى الطبيعيات إلا نادرا.
199
وتحيل الإلهيات إلى طبيعيات، فالإلهيات طبيعيات مقلوبة إلى أعلى كما تحيل الطبيعيات إلى إلهيات؛ فالطبيعيات إلهيات مقلوبة إلى أسفل. وكلاهما تصور مثالي للعالم ينفي الاتفاق والعبث ويثبت الغائية والقصد. كما يحال إلى التعليميات ولو على نحو أقل؛ لأنها نموذج المفارقات في الإلهيات. ويحال إلى النفس وقواها عندما يتم عرض العقل في الإلهيات في نظرية الاتصال وتفصيل قوى النفس حتى القوى الناطقة.
200
كما يحيل ابن سينا إلى باقي كتبه ويحدد مسارها مما يدل على وحدة التأليف الفلسفي.
201
وقد تكون الإحالة إلى بعض الكتب الخاصة في المنطق مثل البرهان وأنالوطيقا أو إلى مجرد علم آخر دون تحديد نظرا لوحدة العلوم أو إلى مواضع أخرى في بعض الكتب. فالكل في الذهن قبل عرض الأجزاء، يعطيها وحدته، وتعود إليه. الجزء يحيل إلى الجزء وكلاهما يحيل إلى الكل.