182
ويؤكد العقل على وجود الكليات في عالم الأذهان لا في عالم الأعيان، وأن افتراض التطابق بينهما هو من عمل الوهم والخيال أو عن طريق التجريد للأشخاص. والعقل هو النفس كما هو الحال في الرياضيات، وكذلك كل المقولات الفلسفية كالصورة والعلة. لذلك تلجأ الرياضيات إلى الرسم التوضيح عالم الأذهان في عالم الأعيان. التأخر والتقدم، القدم والحدوث، الأول والآخر كلها في الأذهان. ويجوز أن يكون الشيء موجودا في الذهن معدوما في الأعيان مثل الخبر عن شيء موجود في الذهن، لذلك كان الصدق في النفس والحق في الخارج، وهو الحق مطلقا، الحق بذاته دائما واجب الوجود، وبالتالي يشبه موقف الفلاسفة موقف الفقهاء في رفض تطابق العالمين، ويكون نقد الفقهاء للفلاسفة بأنهم يقولون بوجود الكليات في الخارج، وبالتالي القول بتعدد الصور غير صحيح.
183
والهدف من الإيضاح والبيان إقامة النسق المنطقي على أكبر قدر من الاتساق والبرهان الداخلي بحيث يمتنع فيه المحال والتناقض كما يتضح ذلك في عبارات مثل: وهذا محال، وهذا خلف، وهذا مستحيل، وهذا كاذب. فالمحال بيان فساده وكذبه. وقد يضع ابن سينا حجة افتراضية للعمل عليها ثم بيان فسادها. ويضع البنية العقلية التي يقوم عليها العرض حتى يبدو أكثر اتساقا وأوسع شمولا.
184
ويستعمل أسلوب المسلمين في استباق الاعتراض والرد عليه مسبقا كما هو الحال في علم الأصول في صيغة «فإن قال قائل ... نقول» من أجل إكمال البنية العقلية وتحليل التجربة المشتركة بين المؤلف والقارئ قبل أن تقع. وقد يصبح الاعتراض سخفا وجدلا ولجاجة لا ينفي التساؤل والمعرفة بل الإحراج والعناد.
185
والفهم اقتضاء يعبر عنه بألفاظ «يجب»، «ينبغي». فالحق ضرورة. والصواب يفرض نفسه في يقين داخلي ونسق فكري، وكأن اليقين حتمية قبلية من طبيعة الذهن ومسار الفكر قبل أن يكون بآلياته وأشكال القضايا وترتيب المقدمات واستخلاص النتائج. مسار الفكر اقتضاء ذهني وطبيعي، وتحليل معاني الألفاظ لمعرفة معانيها وحذف ما لا يدخل في الغرض اقتضاء منهجي.
186
لذلك يتم استعمال فعل الأمر للمؤلف والقارئ على السواء بأفعال «اعلم»، «اعرف»، «انظر» وكان المعرفة إلزام خلقي في تجربة مشتركة، عودا على بدأ، ومسكا بالخيط من أوله، العود إلى الرأس. وقد يكون الشخص الثالث الغائب في صيغة الندب وليس الأمر.
187
ولا يعني هذا الاقتضاء الاعتماد على المعيار الداخلي وحده بل هو اقتضاء خارجي أيضا يقوم على التعليل والبحث عن الأسباب. فإن كان الفكر منطقيا يقوم على استدلال صوري إلا أنه أيضا يقوم على تحليل الأسباب جامعا بين المنطقين الصوري والمادي، الرياضي والعلمي، العقلي والتجريبي. والأسباب هي التي تفسر أقوال الآخر وأقوال الأنا. فلا قول بلا علة كما هو الحال في علم أصول الفقه، لا حكم إلا بعلة بالرغم مما قد يؤدي تحليل العلل إلى التطويل. والعلة الغائية أقوى أنواع العلل وأولاها. فالغاية هي التي تحدد مسار الفكر وتكشف أصده. هي النتيجة النهائية، المطلوب إثباته؛ ومن ثم كان أفضل فهم للقول يتم عن طريق معرفة العلة الغائية.
188
ويصف ابن سينا مسار فكره، ما تم في الماضي وما يتم في الحاضر وما سيتم في المستقبل في مسار واحد متصل، له بداياته ونهاياته، مقدماته ونتائجه في استدلال واحد مستمر يخلو من التناقض والقفزات. يعود على بدء، ويذكر بما فات، ويعلن عما هو آت وبيان ما يحدث الآن. ويتم الربط أحيانا بين الفقرات عن طريق استعمال هذه الأزمنة الثلاثة. وغالبا ما يكون المسار في فعل من أفعال الإيضاح والإظهار والكشف، وأحيانا يتم الإيحاء بشيء دون تفسير ثم يعاد إلى تفسيره وتفصيله. وذلك أظهر في «الشفاء» منه في «النجاة» أو «الإشارات والتنبيهات» نظرا للطابع المغلق للشفاء الذي يحتاج باستمرار إلى تذكير وتنبيه وبيان لمسار الفكر، وتقل هذه الألفاظ الرابطة في الموضوعات المحلية، في تنظير الموروث، وتزيد في الوافد، تنبيها للقارئ على منطق الغريب. فتغيب مثلا في المقالة العاشرة في «الإشارات والتنبيهات»، وتقل في «النجاة»، وتكثر في «الشفاء». تقل في الاختصار، وتكثر في التطويل.