تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

بل إن العلوم الرياضية أو الطبيعية لم تخل من باعث ديني، فالعقل والطبيعة أساسان يقوم عليهما الوحي في نسق وحدة الوحي والعقل والطبيعة. فكتاب الهندسة مادة صورية خالصة، مجرد عرض حقائق رياضية دون إشكالات، وضع حدود ومصادرات بفعل العقل الخالص، العقل البديهي الطبيعي، العقل مع ذاته، صورة بلا مادة، علم العلم، عويص الفهم، بعيد الدلالة. ومع ذلك فقد يكون الباعث على ذلك باعثا دينيا. فالعقل أساس النقل، والعقل الخالص أداة البرهان مما يجعل ابن سينا أكثر دلالة في رسائله مثل الكندي والفارابي أكثر منه في موسوعاته، وقد يكون أدخل في تاريخ الرياضيات العقلي الصرف، استعراض علمي. إغراء البديهيات والأوليات جعلت الحكماء يشرحونها ويدخلونها ضمن الحكمة، وبالرغم من أنه ليس له مقدمة أو خاتمة تضعه وتبين مقصده فإن مجرد الاتساق العقلي عن طريق البرهان هو في حد ذاته أساس من أسس الوحي حتى ولو لم تكن هناك إشارة صريحة له على الإطلاق. قد تكون له دلالة على الموروث، تحويل الدين إلى عقل أو على الأقل سلبا، عدم تحريم الدين الاشتغال بالعلوم الرياضية. ليس المطلوب إذن معرفة إضافة ابن سينا على أصول الهندسة، بل إن إعادة كتابة النص هو في حد ذاته إعمال للعقل الخالص، والعقل أساس النقل. ويمكن أن يقال نفس الشيء على باقي أجزاء رياضيات الشفاء. تبدو أقرب إلى تاريخ العلم، تعبيرا عن العقل الخالص وليس العقل الإسلامي المتجه بالعقل الخالص إلى الفعل، الفرد والجماعة والتاريخ. ومع ذلك فقد يوجد الباعث الديني على نحو غير مباشر وراء العقل الخالص مثل تفرقة المسلمين بين الهندسة العملية والهندسة النظرية وربط الأولى بالمساحة التي كان لها شأن في توظيف الخراج وفصل الملكيات وبناء علم المناظر على الثانية.

151

وقسمة العدد إلى نفسه وإلى غيره قسمة معروفة في الفكر الديني سواء في الله أو في الوجود أو في العقل. ويبدو أنها قسمة عقلية صرفة بصرف النظر عن تطبيقاتها. والخواص هي السمات الذاتية للشيء في العقل وهو أقرب إلى الفكر الديني العقلي المجرد قبل أن يتحول إلى تشبيه وتجسيم في العقائد. كما أن تحليل الوافد الرياضي لا ينفصل عن صفة الوافد في الفكر الديني كما هو الحال عند الكندي، كما كان الباعث على قيام على الحساب تطبيقه في الدراسات الفقهية في علم المعاملات والفرائض والمواريث، ولم يكن مستقلا عن العلوم الدينية. لذلك انقسم الحساب كالهندسة إلى قسمين؛ نظري، الأعداد لذاتها في الذهن، وعملي أي المعدودات كالدنانير ومعاملات السوق. ولا يوجد في «الهيئة» أي ذكر لآية أو حديث أو إشارة إلى موروث عكس إخوان الصفا وباقي الحكماء حرصا على التجريد الخالص والاعتماد على العقل وحده؛ فالفلك في النهاية علم رياضي. وابن سينا يستأنف مجهودات الكندي في الفلك دون الإشارة إليه، فتمثل الوافد وعرضه كنظرية في العقل له الأولوية على إدخاله في وعاء الموروث.

وتأتي آيات القرآن الكريم في مقدمة الموروث للاستشهاد بها على قضايا المنطق مثل الاستشهاد بآية

وكان الله غفورا رحيما

على استعمال ألفاظ زمنية لإيجاب حمل غير زماني. كما تستعمل آية

إن الإنسان لفي خسر

كنموذج للقضية العامة أو المهملة الموجبة ثم عكسها «الإنسان ليس في خسر» للمهملة السالبة.

152

وتقل الشواهد القرآنية للغاية في الشفاء في العبارة، وفي «عيون الحكمة»، وفي «منطق المشرقيين»، وتزداد في «الإشارات والتنبيهات»، وتغيب كلية في «النجاة».

153

وتذكر ثلاث آيات في «الإشارات والتنبيهات». الأولى

سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق

تدعو إلى التأمل في العالم الخارجي وفي النفس لإثبات الحق، والثانية

أولم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد

لإثبات حكم الصديقين الذين يستشهدون بالله لا عليه في مقابل الحكماء الذين يثبتون الله بالدليل كما هو الحال في الآية الأولى التي تدل على نزعة فلسفية، الاستدلال بالوجود على الله، بينما تدل الثانية على نزعة صوفية، الاستدلال بالله على الوجود. والثالثة

من النقل إلى الإبداع (المجلد الثاني التحول): (١) · الصفحة ٦١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الثاني التحول): (١)ص ٦١