تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

145

ويذكر بعض التاريخ مثل المأمون (مرتان). ويراجع ابن سينا رصد أبرخس على رصد تم أيام المأمون، مقارنا بين رصد المتقدمين ورصد المتأخرين. وقام برصد آخر بعد تأليفه كتاب «الهيئة». ويرتبط التاريخ بالحساب والفلك؛ إذ يشار إلى مصر، أيام الشهر المصري، وهي ثلاثون يوما. كما يشار إلى صعيد مصر، أسافل مصر نظرا لامتداد مصر من الشمال إلى الجنوب. ويتم الحساب بالسنوات المصرية. وتماثل صفة مصرية صفة قبطية؛ فمصر قبطية. كما يشار إلى الإسكندرية كمرصد في مقابل بابل لقياس بعد المسافة وفرق الوقت وقياس كسوف الشمس في هذين المكانين.

146

كما تظهر بلاد السودان كمثال لقانون الاطراد والاستقراء الناقص في الحكم على أن سكانها سود. وتظهر الأمثلة المحلية وأسماء مدن العرب كنماذج في القضايا مثل كل منتقل من الري إلى بغداد فإنه يبلغ مثلا قرميسين «كنموذج للكلية الموجبة وكذلك» أو «ما دام منتقلا إلى بغداد». ويضرب المثل ببلد الري أو بغداد على العموم، ثم يأتي التفصيل فيما بعد. وتظهر الشام مع مصر وسطا بين بابل والمغرب. كما يشار إلى الصقالبة والخزر في آسيا.

147

ويظهر أحيانا ضمير المتكلم الجمع مثل نحن أو حروف الجر مثل «لنا»، «إلينا» من أجل تحويل علم الهيئة من المستوى النظري إلى المستوى التطبيقي، ومن الوافد إلى الموروث ومن جغرافية اليونان إلى جغرافية العالم الإسلامي. كما يضرب ابن سينا المثل بتقديم كتاب إيساغوجي وقاطيغورياس على باقي كتب المنطق مثل تقديم أبي بكر على عمر في الكمال.

148

وهناك أيضا إشارات إلى الهند، مما يدل على حضورها كجناح شرقي للحضارة الإسلامية، وهو جناح أطول وأعرق، بانضمام فارس، من الجناح الغربي اليوناني، وتظهر الهند باعتبارها منطقة أو حضارة أو بلادا وكمثال لقانون الاطراد. والعجيب أن ابن سينا يذكر «كليلة ودمنة» على أنها عربية أو فارسية معربة وهي هندية الأصل. ويضرب بها المثل على أنها قصص وليست شعرا بسبب نقص الوزن. كما تظهر الهند في كتب الحكمة بطريقتين عرضا عند الحكماء مثل ابن سينا أو قصدا عند البيروني. وقد عرف العالم الإسلامي الفلك الهندي قبل اليوناني، ونقل كتاب «السند هند» قبل كتاب «المجسطي». ويشار في كتاب «الحساب» إلى الجمع والتفريق الهندي على أنه من فروع الحساب وليس من أصوله. ويعادل الجبر والمقابلة عند المسلمين. وأصله في الحساب الاستعمال والاستخراج. ويشار إلى الحساب الهندي وطريقته في عمل حساب المكعبات.

149

كما يذكر الشرق القديم في كتاب «الهيئة»، البابليون الأقدمون والكلدانيون، وبختنصر؛ فقد استعان أبرخس بأرصاد البابليين الأقدمين، الكلدانيين. فلم تكن بلاد اليونان منغلقة على نفسها، بل كانت مفتوحة على الحضارات الشرقية القديمة خاصة في بابل عبر فلسطين وآسيا الصغرى، وقد سبق قدماء المصريين والبابليين والهنود والفرس واليونان في الفلك. فاليونان آخر القادمين. وكان ابن سينا على وعي بفرق التوقيت بين بابل والإسكندرية في مصر، الفرق في المسافة وفي الزمن. ولا تذكر جغرافيا بابل فقط بل تاريخها مثل تاريخ بختنصر. وأحيانا يكون التقابل بين الشرقيين والغربيين، بين جناحي العالم الإسلامي، ومصر وسطه، من أجل معرفة فروق التوقيت ساعة الرصد؛ فالليل في الشرق أطول منه في الغرب.

150 (ج) الموروث الديني

تكونت العلوم النقلية أولا، القرآن والحديث والتفسير والسيرة والفقه، كما تأسست العلوم العقلية النقلية الكلام والأصول والتصوف قبل ترجمة الوافد والتعليق عليه وشرحه وتلخيصه وجمعه وعرضه، ثم التأليف والإبداع فيه. ولم تتأخر إلا الفلسفة وما ارتبط بها من حكمة رياضية وطبيعية. ثم أصبح هذا الموروث وعاء لتمثل الوافد في علوم الحكمة في كل مراحل تكوينها وأنواعها الأدبية.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الثاني التحول): (١) · الصفحة ٦٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الثاني التحول): (١)ص ٦٠