لا أحب الآفلين
ورفضا للقول بأن المحسوس موجود لذاته واجب بنفسه في حين أن واجب الوجود واجب بذاته. فالآية تؤيد الفكرة وليست دليلا عليها.
154
ويذكر الله في كتاب «القياس» (ثلاث مرات) كموضوع في قضية الأولى «إن الله حي» أي دائما لم يزل ولا يزال نموذجا للقضية الكلية الموجبة أي المطلقة الضرورية في كل الأحوال. وتتكرر في «النجاة» كنموذج للحمل الدائم. وهو أحد أوجه ستة للحمل الضروري في فصل الواجب والممتنع وبالجملة الضروري. والثانية «أن الله تعالى حي بالضرورة». وهي نفس القضية في صياغة أخرى «الله موجود» كمثل على القضية الضرورية وليست القضية المشروطة في «الإشارات والتنبيهات». والثالثة
وكان الله غفورا رحيما
استشهادا على استعمال ألفاظ زمانية لإيجاب حمل غير زماني. الوقت موجود والله لا يحتاج في وجوده إلى زمان.
155
كما تستعمل قضية الله واحد كنموذج للقضايا المطلقة التي يسلم بها الجمهور. وهنا يبدو ابن سينا محللا للثقافة الشعبية. كما يؤخذ «الله» كمثل لمن لا ضد له كما هو الحال في الطبيعيات مثل الحار والبارد. ويؤخذ أيضا كمثل لتصور المحال المفرد الذي لا يتصور إلا قياسا على موجود ينسب إليه مثل الخلاء الذي لا يتصور إلا كالقابل للأجسام ومثل ضد الله. والله هنا حد لإصابة المجهول من المعلوم، ومقياس يقاس عليه، وتصور بالنسبة والإضافة مثل قياس الغائب على الشاهد.
156
والأمور الإلهية ليست بغائبة عن المنطق في الحديث عن الإيجاب والسلب أيهما أشرف، والقول بأن السلب أشرف في الأمور الإلهية كما هو الحال في اللاهوت السلبي غير مفهوم عند ابن سينا. والقول بأن الإيجاب أشرف هو موقف المتدينين الذين يعبرون عن التصور الديني للعالم، والقول بأن السلب أشرف هو موقف الجدليين والوجوديين. كما يرفض ابن سينا أن يكون شرف البرهان مستمدة من شرف موضوعه. فالبرهان علم لا شأن له بالمعلوم. البرهان منهج وليس موضوعا. والحديث البرهاني عن الله شريف لشرف البرهان وليس لشرف موضوع البرهان. الإلهيات إنسانيات أو طبيعيات، والمقدسات عقليات، والمجردات حسيات. المنطق حكم العقل ولا شأن له بحكم القيمة.
157
كما يضرب المثل في تحليل الموضوعات، المقدار للهندسة، والعدد للحساب، والجسم الطبيعي بالموجود الواحد في الإلهيات.
158
ويذكر «اللهم» كأسلوب في التعبير يكشف عن الأساس الشعوري اللغوي للتصور الديني للعالم.
159
وفي «النجاة» تظهر بعض المصطلحات القرآنية غير المباشرة مثل الدهر بالإضافة إلى مصطلح الزمان المقابل لمصطلح الوافد.
160
ويضرب ابن سينا المثل بالخالق الأول والملائكة كنمط من الموجودات في العلوم النظرية، مباينة للمادة والحركة ولا يصلح خلطها بالمادة. والله مصدر للعلم بما ينبغي أن يكون ويستطيع العقل أن يدركه. ويضرب المثل بالملائكة على الكائنات المعقولة التي لا تموت في موضوع تعادل القسمة من جنس واحد إلى معقول ومحسوس، وغير مائت ومائت، وملاك وحيوان؛ فالمثل الديني يدل على حضور الموروث كمصدر للأفعال في المنطق. وفي معرض سوء تأويلات مقولات الإضافة ونقد ابن سينا لها يتعرض الموضوع الوحي والملائكة وخلق العالم في حين أن مستوى حديث أرسطو غير ذلك؛ فابن سينا هنا يضع الموروث وعاء للوافد ولا يتعامل مع الوافد وحده. وتظهر بعض المفاهيم الدينية الفلسفية مثل الملك والعقل؛ حيث يقال إن كلا منهم يتشابه في النسبة. فالتناسب يكون بتشابه في النسبة أو بجهة الاستعمال أو باشتراك في العمل أو باشتراك في الاسم. ويدخل العقل الأول كأحد مصادر التسليم مع اتفاق الجمهور والخصم. كما يظهر تعبير «القول المرسل» مستمدا من علم الحديث. ويضرب ابن سينا مثالا للمسائل الطبيعية بقدم العالم وحدوثه وفناء النفس وبقائها وهي الموضوعات التي يظهر فيها الصدام بين الوافد والموروث.