تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

128

وهو هم اختلاف الناس بين اليونانيين أصحاب الأصول وتابعي المشائين المتعصبين الذين امتلكوا الحقيقة كلها. يحاول ابن سينا حله بعقل وموضوعية بعيدا عن الهوى والعصبية، والعقل دون العادة والإلف، بصرف النظر عن الاختلاف والاتفاق مع اليونانيين ومن تعلم كتبهم عن غفلة وقلة فهم، تبعية ونقلا . كتب من قبل الشفاء العامة المتفلسفة المشغوفين بالمشائية الظانين أن الله لم يهد إلا سواهم؛ فالموسوعة مكتوبة لاحتواء الوافد وتجاوزه ومنع تقليد المشائين. وهذا لا يعني إنكار قيمة الأوائل، وقيمة أفضل السلف فيما تنتبه عنه وتجاوز به أساتذته وفي تمييزه أقسام العلوم وترتيبها، وفي إدراكه الحق في كثير من الأشياء، وفي تفطنه لأصول العلوم الصحيحة السرية وكان المعلم الأول شيعيا إسماعيليا يبطن غير ما يظهر، ويعلن غير ما يخفي، صاحب لغتين، لغة للخاصة ولغة للعامة. كما أنه بين لأهل بلاده علوم السلف. كان ابن سينا يشير إلى دور أرسطو مؤرخا يخاطب أهل بلاده في تصور قومي للعلم. وهو أقصى ما يستطيع إنسان أن يفعله، تمييز المخلوط، وتهذيب الفاسد. لذلك كان من واجبات خلفائه بناء مذهبه وتفريع مبادئه وهو ما لا يمكن الفراغ منه في حدود قصر العمر سواء في عرض ما أحسن فيه والتعصب له أو إكمال ما قصر منه وإكماله. ولقد قام ابن سينا بذلك في أول حياته.

ليس اليونان وحدهم مصدر العلم، بل قد يأتي العلم من غيرهم. فإذا أمكن رد علوم اليونان التي اشتغل بها ابن سينا في حداثته إلى المنطق. فلا يستبعد أن يكون عند المشرقيين اسم غيره لنفس المضمون. وهو ما حاول ابن سينا إخراجه في «منطق المشرقيين». النية صادقة نية التمايز بين الأنا والآخر. والتحقق صعب. فمضمون المنطق هو نفسه وإن اختلف الاسم والمصدر، هذا لليونانيين وذلك للمشرقيين دليلا على وحدة العقل البشري بالرغم من تعدد الحضارات، فاتفق ما اتفق، واختلف ما اختلف، حق ما حق، وزاف ما زاف؛ فالاتفاق حق والاختلاف زيف.

129

أراد ابن سينا الإعلان عن الحق دون تعصب، يبحث كخبير للمساعدة، يراجع نفسه، ويعود على ما بدأ، يصحح نفسه بنفسه حتى يصل إلى صواب الرأي ووضوح الرؤية ويقين العقائد. فالوافد والموروث يتفاعلان في نفسه. هناك إذن مرحلتان في حياة ابن سينا، مرحلة الإعجاب بالمشائين، ثقافة العامة والتي كتب لها الموسوعات الثلاث لإكمال الوافد وضبطه. والثانية مرحلة «منطق المشرقيين» و«اللواحق» للتمايز مع الآخر، واستدراكا على الموقف الأول. الأولى النقل والثانية الإبداع. وحياة ابن سينا انتقال من الأولى إلى الثانية. «منطق المشرقيين» خلاصة علم ابن سينا في الأغراض الكبرى والغايات القصوى، المعلم الحق الذي استنبطه بعد طول نظر وتفكير وروية. به جودة الحدس، والحوار مع الخصوم، والتعصب للحق، والاتفاق مع الجماعة دون الطائفة.

ويثور ابن سينا على المشائين الذين حولوا أرسطو إلى صنم يعبدونه، ومؤسسة وكنيسة وتراث يقلدونه؛ ومن ثم تكون حركة ابن سينا حركة أصولية، العودة إلى الأصول الأرسطية ضد الفروع المشائية مثل حركة ابن رشد. ومع ذلك، ونظرا لاعتزاز المشائين بعلوم اليونان انحاز ابن سينا إليهم؛ فهم أولى بالتعصب من غيرهم، وأكمل ما بدءوه وقصروا فيه. حقق مقاصدهم، وأخفى ما تخبطوا فيه وجعل لهم مخرجا منه، ولا يجاهر بمخالفة إلا ما لا صبر له عليه. وقد كره أن يقف الجهال على مخالفة المشهور عندهم بحيث لا يشكون فيه. وبعض العلم دقيق تعمى الأبصار عن رؤيته؛ مثل حنابلة الحديث في عصره الذين يرون كل تعمق في النظر بدعة وضلالة، وكل ضلالة في النار. شرح لهم ابن سينا المقصود، ونفعهم به بعد أن كانوا نافرين. ويستعمل ابن سينا صورا قرآنية مثل الخشب المسندة ومصطلحات فقهية مثل «البدعة» و«الضلالة» حتى يحسن مخاطبة الجمهور بثقافة الجمهور. (ب) اللغة والبيئة العربية

من النقل إلى الإبداع (المجلد الثاني التحول): (١) · الصفحة ٥٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الثاني التحول): (١)ص ٥٦