ويظهر الموروث أيضا في اللغة العربية وخصائصها ومقارنتها باللغات اليونانية والفارسية وفي البيئة الثقافية العربية، الأمثال العربية والشعر العربي، وفي التاريخ المحلي والجغرافيا المحلية وفي ثقافات الشرق عامة والهند خاصة.
وبالرغم من أن ابن سينا أعجمي الأصل إلا أنه عربي اللسان.
130
تظهر اللغة العربية عنده أكثر من ظهورها عند الكندي والفارابي وابن رشد. تظهر في الشفاء و«الإشارات والتنبيهات» أكثر من ظهورها في «النجاة». وتظهر في كتب المنطق أكثر من ظهورها في الطبيعيات والإلهيات. وتظهر في «العبارة» أكثر من ظهورها في «القياس» و«البرهان». ولا تظهر اللغة في «المقولات» وهي الأقرب إليها نظرا لأن «المقولات» إبداع خالص لا يشير إلى وافد أو موروث .
وقد يذكر ابن سينا اللغة العربية وحدها دون مقارنة مع اللغات اليونانية أو الفارسية أو الهندية مما يدل على أن التحليل اللغة العربية أساسا وللمقارنة فرعا. ويتحدث عن «لغة العرب» وليس عن «اللغة العربية» إشارة إلى القوم وليس إلى الموضوع. ولا يقول «لغتنا» بضمير المتكلم الجمع كما يفعل الفارابي تمايزا بين النحن والعرب. فقد كان ابن سينا فارسي الأصل.
131
يتحدث ابن سينا عن اللغة العربية باعتبارها مغايرة للغة اليونانية دون أن يعمق دلالتها كما يفعل الفارابي. اللغة العربية عند ابن سينا أقرب إلى التركيب وعند الفارابي أقرب إلى الدلالة، يتشابه المنطق واللغة عند الفارابي في حين ينفصل المنطق عن اللغة عند ابن سينا ويحتكم إلى علم اللغة العام.
132
ويتحدث ابن سينا عن لغة العرب إما غيابا عند العرب وحضورا عند اليونان أو حضورا عند العرب وغيابا عند اليونان أو حضورا عند العرب واليونان أو غيابا عند اليونان والعرب. والأقرب هو جدل الحضور والغياب المتبادل بين العرب واليونان أي الاحتمالان الأولان. فيعيد بناء مبحث العبارة بحسب لغة العرب وتركيب الجملة بحسب لغة العرب. ولغة العرب لا تستعمل كلمات تدل على معنى يقال على الجواهر بدلالة أولى. فلكل لغة مساحتها من الضيق والاتساع. واللغة العربية ضيقة في هذا المعنى. خصوصيتها في القضايا بحسب الإيجاب والسلب والعموم والخصوص. وألفاظ السلب في اللغة العربية لا تتشابه؛ إذ يدل لفظ «ليس» على السلب في حين يدل لفظ «غير» على العدول. أما السلب الكلي فيتم التعبير عنه بأداة النفي «لا». وللغة العربية طرقها في التعبير عن الإيجاب بالسلب.
وأحيانا يظهر موضوع لغوي رئيسي مثل ألف ولام التعريف هل يدلان على الحصر الكلي؟ وهو غلط لأنهما لا يدلان على الحصر في اللغة العربية، والكلام لا يكون بحسب لغة دون لغة. ومن ثم ينتقل ابن سينا من علم اللغة الخاص أي النحو إلى علم اللغة العام أي اللسانيات. ويتكرر نفس الموضوع في «الإشارات والتنبيهات». فلا مهمل في لغة العرب. فالألف واللام يوجبان التعميم والشركة. وغيابهما وإدخال التنوين يوجب التخصيص. ويطلب غير ذلك في اللغات الأخرى، وقد تستعمل الألف واللام لتعيين الطبيعة ولا يكون موقعها موقع الكل. اللغة العربية إذن خصوصيتها على ما يبدو في علم النحو، ولكل لغة عاداتها. اللغة للاستعمال. اللغة العربية ملكة عند العرب ولو كانت لها قوانين مع الملكة لما وقع لها ما وقع. وكل لغة ملكة وقوانين، فطرة واكتساب، استعداد وتعلم، طبيعة وتطبع.
133
وليس كل فعل في اللغة العربية بالضرورة كلمة. هناك أفعال ليست كلمات إذا ما كان فعل أمر يبدأ بالهمزة أو فعل ماض ينتهي بتاء المتكلم. وتستعمل اللغة العربية ألفاظا زمانية لإيجاب حمل غير زماني مثل الآية القرآنية
وكان الله غفورا رحيما
أو غير مختص بزمان بعينه بل ذائع في أي زمان مثل كل ثلاثة فإنها تكون فردا. وفي اللغة العربية الشرطية هي المفصلة، والشرط يتبعه خبر مرادف. وفي الفصاحة العربية يتم تبديل العبارات بأن يعبر عن قضية واحدة بعبارات مختلفة.