تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

123

والتمايز بين خصائص الشعر العربي والشعر اليوناني أحد مظاهر النقل الحضاري، خصوصية الذات تؤدي إلى التمايز مع الآخر، وخصوصية الآخر تؤدي إلى التمايز مع الذات.

ويبدأ التمايز بوصف شعر الآخر على ما هو عليه، رؤية موضوعية له من خلال مرآة الذات ثم وصف شعر الأنا في مرآة الآخر. وفي حالة التماثل وتطابق الموضوع يكون التماثل بين الأنا والآخر، بين ابن سينا وأرسطو، بين شعر العرب وشعر اليونان مثل الحديث عن نشأة الشعر ورده إلى سببين في طبائع الناس، الالتذاذ بالمحاكاة، وحب الألحان والأنغام. واللجوء إلى الطبيعة الإنسانية مرآة الأنا وتصورها للفطرة.

124

وفي حالة التمايز يكون موضوع الشعر اليوناني محاكاة للأفعال والأحوال في حين أن موضوع الشعر العربي محاكاة للذوات أي الجواهر. الشعر اليوناني ذاتي، والشعر العربي موضوعي. غاية الشعر اليوناني الحث أو الردع بالقول على فعل مرة شعرا ومرة خطابة، في حين أن غاية الشعر العربي التأثير في النفس والعجب بالتشبيه.

125

ومن مظاهر التمايز الحكم الأخلاقي بالتحسين أو التقبيح، بالمدح أو الذم. فكل فعل إما قبيح أو جميل. ولما كان الشعر اليوناني يقوم على محاكاة الأفعال والأحوال انتقل بعض الشعراء إلى محاكاتها للتشبيه الصرف لا لتحسين أو تقبيح، بل للمطابقة فقط. في حين يقوم الشعر العربي على التحسين والتقبيح. وهما مقولتان أصوليتان عند المعتزلة، وربط الشعر بالأخلاق موقف قرآني. وبينما اتجه الشعر اليوناني إلى الأسطورة والقصة والدراما لم يعرف الشعر العربي الملحمة والدراما واقتصر على التعبير المباشر عن العواطف والأخيلة. كما أن توجه الشعر اليوناني نحو الأغراض المدنية والسياسية وغيرها جعلته يتوجه نحو الأفعال، الحث على فعل أو الردع عن فعل. أما الشعر العربي فأكثر محاكاته للذوات، التشبه بالشيء ليوقع في النفس العجب بصورة الشيء المحاكي.

والسؤال الآن: هل هذه المقابلة صحيحة بين محاكاة الأفعال والأحوال في الشعر اليوناني ومحاكاة الذوات في الشعر العربي؟ وماذا عن الجانب الجوهري في الفكر اليوناني والجانب الفعلي العملي في الفكر الإسلامي؟ وأيهما أفضل للشعر محاكاة الذوات والجواهر الثابتة أم محاكاة الأفعال والأحوال المتغيرة؟ هل العلاقة بين الفكر اليوناني والفكر الإسلامي علاقة الذات بالموضوع، والنسبي بالمطلق، والجزئي بالكلي؟ وهل حاكي القرآن كنموذج للشعر العربي ومعبر عن جمالياته الذوات والجواهر دون الأفعال والأحوال؟ وهل فعل ذلك الشعراء العرب؟ هل يمكن إطلاق هذا الحكم على كل الشعر العربي بكل اتجاهاته ومذاهبه؟ وماذا عن حكم ابن رشد بأن أهم سمات الشعر العربي الوصف الواقعي الجزئي الدقيق، روح الواقع التجريبي الذي ظهر في التعليل في علم أصول الفقه؟ أي الحكمين أصدق؟

وفي «منطق المشرقيين» يظهر التمايز بين الأنا والآخر في صورة التمايز بين الشرق والغرب، بين المشرقيين و«المغربيين». لم يخترع ابن سينا لفظا للمقابلة غير اليونانيين.

126

وقد لفظ «المشرق» عند ابن سينا وابن طفيل لوصف الحكمة في «الحكمة والمشرقية»، والمنطق في «منطق المشرقيين». وقد ظهر لفظ مشابه مشتق من الشرق في «حكمة الإشراق» للسهروردي والفلسفة الإشراقية لابن سينا ذاته. كان لدى ابن سينا إحساس بالعصر والزمان والعلم باعتباره من عوائد الزمان وأعراف الناس. وتختلف الأسماء والمسميات واحدة مثل النطق الذي قد تكون له أسماء أخرى. ولكن ابن سينا آثر الاسم الشائع. فمنطق المشرقيين ليس في المنطق بل في حكمة المشرقيين. آثر استعمال اللفظ الشائع للحكمة وهو المنطق طبقا لمنطق التشكل الكاذب، التعبير عن مضمون الموروث بلغة الوافد.

127

ومقدمة منطق المشرقيين أهم ما في الكتاب؛ لأنها تعطي السياق الحضاري وتكشف عن الدافع على التمايز بين الأنا والآخر، المشرقيين واليونانيين. كتب «منطق الشرقيين» للخاصة، وكذلك «اللواحق» في مقابل «الشفاء» للعامة. الأول إبداع والثاني نقل. الأول مختصر والثاني موسع، فسمة الإبداع التركيز، وسمة المعلومات الإسهاب، مثل تقابل الخاصة والعامة. كما تكشف أن التأليف أزمة نفسية، هم وجودي وليس مجرد تجميع علم منقول.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الثاني التحول): (١) · الصفحة ٥٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الثاني التحول): (١)ص ٥٥