تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

120

لم تكن معرفة الشراح للشعر اليوناني توجها إلى الخارج فحسب، بل كان أيضا إلى الداخل ومعرفة الشعر من البلاغيين العرب. وقد استخدم ابن سينا بعض مصطلحات البلاغيين العرب وبحوثهم في العبارة. فقد تحدث البلاغيون العرب عن التشبيه والاستعارة والمجاز المطابقة والتجنيس والمقابلة حصرها أبو هلال العسكري (395ه) في خمسة وثلاثين نوعا. هذا هو الإبداع المستقل الذي اتصل به ابن سينا، والذي استمد منه مادة جديدة لاحتواء المادة الوافدة؛ فقد استطاع الموروث تمثل الوافد في العرض. وقد يسمى المجاز النقل، والاستعارة المتغير ليس أثرا من متى، بل لاحتواء ألفاظ النقل داخل ألفاظ الإبداع. وإذا استعمل لفظ المطابقة على غير ما استعمله البلاغيون؛ فلأنه يشق طريقه بين الوافد والموروث. وتلك هي عملية التحول من النقل إلى الإبداع.

ولقد أدخل المسلمون منطق الظن مع منطق اليقين في علم المنطق العام أي قوانين الفكر وقواعد الكلام. أدخل الفلاسفة المسلمون مثل ابن سينا وابن رشد الشعر في المنطق. ونظرا لأن الشعر يرمي إلى تسليم السامع بما يقوله القائل فقد ألحق بالجدل والخطابة. وهنا يحدث التمايز بين الأنا والآخر، الشعر جزء من نظرية أعم في المنطق عند الأنا وإخراج الشعر من المنطق والمنطق من الشعر عند الآخر، وقد اعتبر البلاغيون الشعر نوعا من الاستدلال إدخالا للجزء في الكل، والظن في اليقين، باعتبار كل ذلك نظرية في العقل. فكل تشبيه أو استعارة أو كناية قياس منطقي حذف منه الحد الأوسط والنتيجة.

121

ويرد ابن سينا الحيل الشعرية إلى النسب بين الأجزاء مما يدل على غلبة التصور العقلي الرياضي كما هو الحال في المنطق.

وينقل ابن سينا كتاب الشعر من بيئته اليونانية إلى بيئته العربية؛ فهو مزدوج الثقافة. الثقافة اليونانية علوم وسائل، والثقافة العربية علوم غايات. لا عجب إذن أن يعرف ابن سينا أوزان الشعر اليوناني وفنونه من قراءاته العامة كمثقف مزدوج الثقافة وأن يتحدث عن أصناف الأشعار اليونانية وأغراضها وأوزانها، لكل غرض وزنه، ولا يحتفظ ابن سينا بالصورة العامة لكتاب أرسطو تقليدا، بل لأنه عرضه على العقل فقبله وعلى بنية الموضوع فتطابق. ومع ذلك يحتفظ بالجو اليوناني لكتاب الشعر خاصة المصطلحات دون إسراف في المقارنات بين النوعين من الشعر، اليوناني والعربي. استخدم ابن سينا الكلمتين المعربتين طراغوذيا وقوموذيا بدلا من المديح والهجاء في الترجمة عودا إلى التعريب بعد استقرار الترجمة حرصا على الأصل. ولا يستشهد بالشعر العربي إلا في الفصل التمهيدي أي الإعلان عن الخصوصية العربية والبيئة الثقافية الجديدة بعد حذف كل الأمثلة اليونانية التي لا يعرفها القارئ العربي.

122

وعندما ينقل ابن سينا كتاب الشعر من البيئة الثقافية اليونانية إلى البيئة الثقافية العربية؛ فإنه يكتشف خصائص كل شعر وخصوصيته ويوازن بينهما. ويشرح معاني التخييل والخرافة والاستدلال والاشتمال وموافقة اللحن لغرض المتكلم تاركا الخصوصية اليونانية وواضعا الخصوصية العربية محلها. ويذكر تعريف الشعر بوجه عام دون ذكر لليونان وكان تعريف الشعر اليوناني قد أطلق وأصبح في الثقافة العامة هو مفهوم الشعر. ويقارنه بمفهوم الشعر عند العرب في ثقافة خاصة. يتحدث عن الشعر اليوناني ويطابق بينه وبين الشعر العربي. فكان لليونانيين عادات في كل نوع. كما أن للعرب عادة ذكر الديار والغزل والفيافي، هنا يبدو العرب إطارا مرجعيا لفهم اليونان. وتعكس خصوصية العرب خصوصية اليونان وتحيلها إليها في مرآة مزدوجة، اليونان في مرآة العرب، والعرب في مرآة اليونان. كما يستشهد بالشعر العربي لشرح النظرية الشعرية، ويتم توضيح النظرية اليونانية بالمثل العربي تقديرا لعلوم الآخر، واستعمال علوم الأنا كعلوم وسائل وعلوم الآخر كعلوم غايات استعمالا مؤقتا يتم بعدها استعمال علوم الآخر كوسائل وعلوم الأنا كغايات استعمالا دائما.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الثاني التحول): (١) · الصفحة ٥٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الثاني التحول): (١)ص ٥٤