تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

114

وشتان ما بين الاثنين؛ المحاكاة تقليد للطبيعة بينما التخييل تعبير عما في النفس. المحاكاة تقليد، والتخييل إبداع. لذلك لا يمكن أن يكون التخييل محاكاة وإن كان محتويا لها. المحاكاة تفسير للفن والتخييل تفسير للواقع الاجتماعي. هدف المحاكاة الصنعة، وهدف التخييل التأثير في النفس من أجل التغير الاجتماعي، مقياس الصدق في المحاكاة التطابق مع الطبيعة، وفي التخييل الصدق مع النفس. لم يضع ابن سينا التخييل في مواجهة المحاكاة دليلا على تردده بين الحاجة إلى إثبات الطبيعة الخيالية غير المنطقية للشعر وبين الرغبة في إلحاقه بالمنطق، بل لأنه ينقل النص الأرسطي ويقرؤه ويعيد إنتاجه من بيئة ثقافية إلى بيئة ثقافية أخرى.

115

لم يرد لفظ «التخييل» في ترجمة متى. ويستعمله ابن سينا بدلا من لفظ المحاكاة مبررا ذلك بأن الكلام المخيل موجه إلى مخاطبة الغير مثل الجدل عندما يريد إقناع الغير اعتمادا على مقدمات مقبولة عند العلماء والخطابة اعتمادا على مقدمات مقبولة عند الجمهور، والشعر اعتمادا على إيقاع المعاني في نفوس السامعين؛ فالتخييل الشعرى مثل التصديق الجدلي الخطابي. وإذا خاطب الجدل والخطابة الفكر فإن الشعر يخاطب الانفصال نظرا لارتباط الشعر بالنفس. ليست المحاكاة عند ابن سينا تقليدا، بل تصويرا للمعاني المتخيلة.

116

والتخييل أمر خارج عن التصديق المنطقي، مطابقة الفكر لنفسه أو التصديق العلمي، مطابقة الفكر للواقع؛ حيث إن التخييل إحداث انفصال في النفس. الأول تطابق مع العقل أو مع الواقع، والثاني تطابق مع النفس. الأول تعريف الحقيقة الرياضية أو العلمية والثاني تعريفها الفلسفي. الأول تعريفها الموضوعي والثاني تعريفها الذاتي.

117

في التخييل صدق وكذب؛ صدق إذا حدث تأثير في النفس وكذب إذا لم يحدث. ويمكن حصر تخييلات الخطابة دون الشعر؛ فالخطيب ملزم بالتصديقات المظنونة والمقبولة عند الجمهور. أما الشاعر فله أن يبتدع ما يشاء ليحدث في النفس الانفصال المطلوب. بل إن الابتداع هو ما يطلب منه ليحدث هذا الانفعال وإذا كان الإبداع في الشعر فكيف تكون الفلسفة نقلا؟ إن تقريب ابن سينا بين التصديق والتخييل ليس ابتعادا عن أرسطو لأن أرسطو ليس مقياسا، والنقل ليس معيارا للإبداع بل اقترابا من الموروث.

118

وقد أخرج ابن سينا الأمثال والخرافات مثل «كليلة ودمنة» من الشعر. فليس غرضها التخييل بل إفادة الآراء والتحدث عن أشياء ليس لها وجود بعكس الشعر الذي يقوم على التخييل والإبداع والحديث عن أشياء موجودة. والقصص الشعري تخييل الأزمنة وماذا يعرض فيها، وما يكون حال السالف منها بالقياس إلى الغابر، وكيف تنتقل فيها الدول، تدرس أمور وتحيا «أمور».

119

وهذا هو القصص القرآني تعبيرا عن الموروث في أصله الأول. ليس التقابل بين التاريخ والشعر على ما يفعل أرسطو بل بين الخرافة والشعر. ليست الخرافة شعرا نظرا لالتصاق الشعر العربي بالواقع وترفعه عن شطحات الخيال وخلوه خلوا تاما من جانب الأسطورة.

لم تكن فكرة المحاكاة مركزية في كتاب الشعر، ولا تنتظم الكتاب كله في حين أن التخييل مركزي في عرض ابن سينا والبلاغيين العرب. وربما يكون الفارابي أول من استخدمها، ثم استعملها ابن سينا لتفسير المحاكاة التي وردت في ترجمة متى. هذه هي عملية التشكل الكاذب بالنسبة للآخر وليس بالنسبة للأنا، ترك لفظ ووضع لفظ جديد أكثر شمولا واتساعا لاحتوائه. وقد تم توسيع المفهوم بحيث تشعب في فلسفة أرسطو كلها، المنطق وعلم النفس والميتافيزيقا؛ ففي المنطق، المقدمات عند أرسطو يقينية (برهانية) أو ذائعة (جدلية) أو ممكنة (خطابية). ثم زاد الشراح الشعر مكونا من مقدمات مخيلة. ومن ثم تكتمل نظرية العقل بضم الشعر إلى المنطق. وبالنسبة لعلم النفس لاحظ الشراح أن الشعر لا يخاطب المخيلة فينبه صور المحسوسات المختزنة فيها. ولما كانت المحسوسات وثيقة الصلة بالانفعالات؛ فإن الشعر شديد التحريك لها. وقد لا يحتاج الشراح إلى أرسطو لمعرفة مواجهة المخيلة للإحساس. أما بالنسبة إلى الفلسفة الأولى فالتمثيل هو العلة الصورية للشعر، والمعاني والأفكار علته المادية. ومن ثم تعاد قراءة فلسفة أرسطو كلها من خلال التخييل، والتخييل نفسه قراءة للمحاكاة.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الثاني التحول): (١) · الصفحة ٥٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الثاني التحول): (١)ص ٥٣