تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ويبدو التمايز بين المنطقيين واللغويين وكأن المناطقة يمثلون الوافد واللغويين يمثلون الموروث في التقابل بين المنطق واللغة في المناظرة الشهيرة بين متى بن يونس وأبي سعيد السيرافي. فالمنطق لغة اليونان واللغة منطق العرب.

19

وقد يكون الخلاف في الاسم. فما يسميه المنطقيون كلية يسميه اللغويون الاسم المفرد. والمنطق نفسه موضع نقاش. ولا يوجد علم معياري لا نقاش فيه. وهناك حجج وحجج مضادة أكثر من «الشفاء» و«النجاة». يسهو المنطقيون ويظنون وليس كل ما يقولونه يقينا. بهم متخلفون وأذكياء. وهناك معان عرفية للألفاظ، وهناك عادة جرت في المنطق مما يظهر البعد الاجتماعي في اللغة. وهناك تمايز بين المنطق وغيره من العلوم، وهناك معان قديمة وحديثة بين القدماء والمحدثين مما يظهر البعد التاريخي للغة. وما زال ابن سينا في «الإشارات والتنبيهات» يستعمل بعض المصطلحات المعربة مثل أسطقس.

20

وفي «منطق المشرقين» يحدد ابن سينا في المقدمة موقفه من اليونانيين في تقابل مع المشرقيين. وتظهر ألفاظ اليونانيون ثم المشاءون ثم المشرقيون والأولون.

21

وسبب تأليف منطق المشرقيين هو جمع كلام فيما اختلف أهل البحث فيه دون التفات إلى عصبية أو هوى أو عادة أو إلف، وعدم المبالاة بالاختلاف لما ألفه متعلمو كتب اليونانيين من غفلة وقلة فهم، ولما كتبه من قبل للعامة من المتفلسفة المشغوفين بالمشائين الظانين أن الله لم يهد إلا سواهم؛ فابن سينا ينقد متعلمي كتب اليونانيين، ويريد أن يكتب مستقلا عنهم غير مبال بالاختلاف معهم. وكان قد كتب من قبل موسوعاته الثلاث للعامة المتفلسفين المشغوفين بالمشائين لبيان أن الكتابة في علمهم سهلة ميسورة. واليونانيون ليسوا وحدهم مصدر العلم بل قد يأتي العلم من غير اليونانيين. فإذا كان اليونانيون قد أعطوا المنطق فقد يكون للمشرقيين منطق سواء بنفس الاسم أو باسم غيره. لقد ألف ابن سينا طبقا لعادة المشتغلين باليونانيين المعتزين بهم لعدم مخالفة العادة والجمهور. انحاز إليهم بل ومتعصب لهم فهم أولى بالتعصب لهم من غيرهم ولكنه أكمل ما أرادوه وقصروا فيه وأغضى عن ما أغمضوا وتخبطوا فيه أو وجد له مخرجا. جاهر بمخالفتهم فيما لا سكوت عنه، وغطى ما بقي منه.

22

وفي «القياس» يذكر أيضا المعلم الأول وليس أرسطو تحولا من الشخص إلى الرمز، ومن التاريخ إلى الفكر.

23

كما يذكر التعليم الأول أي العلم وليس الشخص، والتحول من المعلم الأول إلى التعليم الأول خطوة في التحول من الشخص إلى الموضوع، ومن العالم إلى العلم، ومن المؤلف إلى النص ومن الشخص إلى الموضوع، ومن الفرد إلى الشيء. المعلم الأول بالنسبة لأرسطو لا مشخصا أولا، وصاحب التعليم بالنسبة للمعلم الأول لا مشخصا ثانيا.

كل الصناعة مستفادة من المعلم الأول بالفعل لا بالقوة كما أن المسلمين أصحاب نبوة. لديهم خاتم الانبياء ونهاية الوحي. فأرسطو بالنسبة للمنطق مثل الرسول بالنسبة للوحي، كلاهما منطق، منطق العقل ومنطق الدين والمنطق المعياري الذي يرجع إليه كمقياس. ويعتمد ابن سينا على هذا الموقف ليستنتج المحالات من الرأي المخالف وعندما يكون له موقف نقدي من المنطق. والمعلم الأول لا يعلم حال قياس الخلف إلا على سبيل التذكير والتجريد عن المادة واستعماله وقبوله على نحو طبيعي. وقد اتبعه جالينوس في ذلك. وغرض المعلم الأول أن يجعل الأوسط جزئيا لا عموم له. ولا يبالي في الأمثلة أن تكون الحدود على كل ذلك التواطؤ. لابن سينا موقفه المنطقي. وعلى أساس هذا الموقف ينبغي فهم قول المعلم الأول. ابن سينا هو النص والمعلم الأول هو الشارح. ابن سينا هو المقروء والمعلم الأول هو القارئ. ابن سينا هو المتبوع والمعلم الأول هو التابع. ابن سينا هو المجتهد والمعلم الأول هو المقلد. ابن سينا خير من يعلم المعلم الأول، ما قاله وما لم يقله. يصحح استشهاد الآخرين به، إيجابا أم سلبا. وعلى أكثر تقدير فهو أرسطو صاحب التعليم الأول وابن سينا الراوي الصادق عنه والمبرهن على صدق كلامه.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الثاني التحول): (١) · الصفحة ٣٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الثاني التحول): (١)ص ٣٦