كما أن «السفسطة» إبداع خالص. وفي آخر فقرة يبدي فيها ابن سينا إعجابه بأرسطو الذي أتم العلم وليس تعصبا له أو عدم تعمق في دراسة أفلاطون بل مجرد تعبير عن دهشة عبر عنها العالم كله، فأرسطو ختام الفلسفة اليونانية كلها كما أن الإسلام خاتم الرسالات. تقوم فلسفته على العقل والطبيعة كما يقوم إيداع المسلمين على العقل والطبيعة والوحي. ومن يدري فربما أرسطو نبي اليونان لم يذكره القرآن صراحة كما ذكر تلميذه ذا القرنين
وإن من أمة إلا خلا فيها نذير .
13
وبعد خلو «المقولات» من الوافد والموروث لأنه عمل إبداعي خالص يظهر الوافد في العبارة في اسم هوميروس ليس بشخصه بل مجرد ضرب مثل باسم علم مثل سقراط في اليونانية أو «زيد» و«عمر» في العربية بدلا من «فلان»، وفي عبارة واحدة طويلة سقيمة، وفي مناسبة واحدة.
14
كما يذكر «المعلم الأول» لقب أرسطو وليس اسمه. والتحول من الاسم إلى اللقب بداية التحول من المؤلف إلى الرمز، ومن التاريخ إلى النمط. وعندما يذكر ابن سينا «المعلم الأول» فإنه يكون هو الشارح لابن سينا. كما كان أرسطو هو الشارح لابن رشد في التفسير والتلخيص والجوامع ابن سينا هو الذي يقرر المعنى والمعلم الأول يوحي إليه. ابن سينا هو المبدع والمعلم الأول هو المقلد. وأحيانا يصحح ابن سينا العلم الأول ويحكم عليه بالقبح أن يذكر من بسائط الألفاظ الاسم والكلمة دون الأداة. كما يتحدث عنه باعتباره آخر تمايزا بين الأنا والآخر، يحكم عليه ويصف مسار فكره باعتباره موضوع علم وليس مصدر علم.
15
وفي منطق «النجاة» يذكر فورفوريوس والإسكندر وثاوفرسطس وإقليدس ثم نامسطيوس، والمعلم الأول، ومن الكتب إيساغوجي وقاطيغورياس.
16
يتحدث ابن سينا عن الكليات الخمس، حد الجنس بما لا يشاركه فيه الفصل، وعدم دوران الجنس على النوع وعدم الاهتمام بما يقوله فرفوريوس وهو واقع كتاب إيساغوجي في الكليات الخمس. كما يذكر رأيي ثاوفرسطس وثامسطيوس في المطلقة بل ورأي غيرهما مثل الإسكندر وغيره من المحصلين. ولا يفضل ابن سينا أيا من الرأيين ويفضل رأي ثاوفرسطس. كما يضرب ابن سينا المثل بالحد الرياضي للمثلث عند إقليدس للحد المنطقي، وأن النظر إلى الأبسط يفيد في معرفة المبادئ كما يفيد العدد الهندسة كما هو الحال في العاشرة عند إقليدس.
17
ويذكر المعلم الأول تحولا من الشخص إلى الفكرة واستشهادا به على وجه المنفعة أن للعقل النظري الحكم الكلي، وللعقل العملي الأفعال والتعقلات الجزئية. كما يضرب ابن سينا المثل بتقديم كتاب إيساغوجي وقاطيغورياس على باقي كتب المنطق. ولا يشير ابن سينا في «النجاة» إلى الوافد كثيرا على عكس الفارابي، ربما لبعده عن فترة النقل وقرب الفارابي منها، فبينهما قرن من الزمان، وربما لأن الوافد تحول إلى ثقافة شائعة ولم تعد ثقافة مغايرة يشار إليها باعتبارها مغايرة لثقافة الأنا، الموروث، وربما لاستقرار المصطلحات العربية حتى أصبحت جزءا من الاستعمال اليومي، والسبب الحقيقي هو الصمت على المصادر من أجل العرض العقلي الخالص لبنية الموضوع.
وفي «الإشارات والتنبيهات» ينقد ابن سينا فرفوريوس الذي يثني عليه المشاءون، وهو سخف وحشف كله. لا يفهمونه بل ولا يفهم المؤلف نفسه. نقده رجل من أهل زمانه دون أن يذكر ابن سينا اسمه إما تجاهلا له أو لحرصه على الموضوع لا على الشخص ونقده فرفوريوس بطريقة أسقط منه.
18
كما ينقد ابن سينا اتباع المشائين له فكيف يكون ابن سينا نفسه مشائيا مقلدا؟ ويذكر ابن سينا المعلم الأول وجالينوس وإقليدس ولم يذكر أرسطو بشخصه أو أفلوطين الشيخ اليوناني أو أفلاطون أو كليهما من أرباب الفيض والإشراق. يضبط ابن سينا الحجج المزيفة التي استحدثت بعد المعلم الأول والتي عرضها بالتفصيل في «الشفاء» مما يدل على أسبقية تدوينه على «الإشارات والتنبيهات». كما يضرب المثل بوجود جالينوس وإقليدس وغيرهم على التواتر مثل العلم بوجود مكة. ويذكر ابن سينا قصة «سلامان وأبسال» يضرب بهما المثل سلامان للإنسان وأبسال لدرجته في المعرفة ويستخدم المثل اليوناني للتعبير من خلاله عن معنى إسلامي قبل أن يصبح للمعنى الإسلامي حاملا مستقلا هو «حي بن يقطان». القصة اليونانية أداة للتعبير أولا قبل إبداع القصة الإسلامية. الوافد حامل أولا للمعنى الموروث قبل أن يتحول الحامل والمحمول إلى الموروث دون الوافد.