24
ويأخذ جالينوس لقب الفاضل من المتأخرين وهو الأغلب أو الفاضل فقط وهو الأقل تحولا من الشخص إلى الرمز، ومن المؤلف إلى الموقف، ومن الخاص إلى العام، ومن الفرد إلى الفعل، ومن العالم إلى السلطة العلمية أي من الزمان إلى الخلود. وأحيانا تتغير صياغة اللقب إلى الفاضل من المتأخرين؛ فاللقب لم يستقر بعد وإن استقر التحول من الشخص إلى اللاشخص. يحق للفاضل المتأخر أن يمدح المنطق. ومع ذلك فللفاضل من المتأخرين سبيله الخاص وموقفه الخاص في المنطق وليس بالضرورة موافقا لمنطق أرسطو. ويبين بوجه حسن ما يعلنه المعلم الأول وهو حال قياس الخلف على سبيل التذكير والتجريد من المادة وبيان أن استعماله وقبوله طبيعي. كما أن ابن سينا يرفض قول فاضل المتأخرين من اعتبار المقدمات المستعملة في مناقضة مالسيس وبارمنيدس مقدمات منطقية لأن ذكر فيها الكم والتناهي، وأن التناهي للكم بذاته أو لغيره لأن النظر في الكم ولواحقه ليس نظرا منطقيا. ويرفض تفسيره كما يرفض تفسير شيخ النصارى.
25
ويذكر بقراط باسمه أو بلقبه، الطبيب الفاضل أو الفاضل تحولا أيضا من الشخص إلى اللاشخص، ومن الجزئي إلى الكلي ومن الفرد إلى الدلالة. الطبيب منطقي ينظر إلى المنطق كأداة للاستدلال. ليس الطب علما تجريبيا فقط، بل هو علم منطق وأخلاقي كذلك. والعجيب أن الفاضل يرى أن المنطق فضلا على الطب كما يظهر ذلك في الكتاب المنسوب إلى بقراط وهو الفصول. لذلك آثر المسلمون جالينوس الطبيب المنطقي على بقراط الطبيب الخاص. كان جالينوس أفضل المتأخرين في حين كان بقراط هو الفاضل فحسب، ومع ذلك يقر الفاضل بما يقوله ابن سينا؛ فابن سينا هو المقروء، والفاضل هو القارئ.
26
ويحرص ابن سينا على ذكر لفظ «المنسوب» خشية الانتحال. وهو الذي ينتسب إلى حضارة طالما اتهمت بخط النسبة مثل نسبة جزء من التاسوعات إلى أرسطو باسم أثولوجيا أرسطوطاليس.
27
وذكر أفلاطون، تلميذ المعلم الأول. تعرض لنظرية المعرفة في أن العلم تذكر. وبدخول أفلاطون في المنطق تؤخذ الأمثلة من الحياة والنفس وليس من أشكال القياس المجردة. ويذكر سقراط ومينون بمناسبة زوال شك مينون على سقراط في المعرفة. ويشير إليهما ابن سينا على أنهما رجل يسمى مانون وفيلسوف يسمى سقراط تحولا من الخاص إلى العام، ومن التاريخ إلى الفكر. ويضرب ابن سينا المثل بأرشميدس الذي كان يبرهن على الرياضيات قبل صياغة المنطق مما يدل على أن البرهان طبيعي، وأن المنطق ما هو إلا تجريد له. كما يذكر ابن سينا شيخ النصارى تحولا كالعادة من الشخص إلى اللاشخص، ومن الفرد إلى المؤسسة. هل هو حنين بن إسحاق الذي يذكره مع فاضل المتأخرين؛ فكلاهما طبيب؟ هل هو يحيى بن عدي أم يوحنا النحوي؟ وفي كلتا الحالتين يخالفه ابن سينا في تفسيره ويستقل عنه.
كما يحال إلى بعض كتب المنطق معربة مثل قاطيغورياس وباري أرمنياس. يحال إلى الأول لمعرفة أن النظر في الكم ولواحقه ليس نظرا منطقيا، وإلى الثاني لتسمية نوع من القول قولا جازما وقضية. كما يحيل إلى كتاب البرهان وإلى الشكل الذي في كتاب أوقليدس وإلى كتاب الفصول لأبقراط إلى العمل وليس إلى الشخص.
28
وما زالت بعض الأمثلة اليونانية باقية مما يدل على محلية الوافد وتقابل ابن سينا معه باعتباره آخر. فتذكر أثينية، أهل أثينا، أهل قونيا، أهل أثينية في أشكال القضايا. بل إن مادة القضايا أيضا محلية من تاريخ اليونان مثل قتال أهل أثينية لأهل قونيا وهو قتال مذموم.
29
وفي «البرهان» يحيل ابن سينا أيضا إلى المعلم الأول دون ذكر أرسطو مرة واحدة؛ فقد انتهى الشخص وبقي الفكر، وانتهى الفرد وبقي العالم.
30
ويتوجه ابن سينا إلى تخليص المعلم الأول من براثن الشراح، ونقد من غرتهم قلة العناية والنظر وعدم استقصاء كلامه حق الاستقصاء وتوضيح المقصود من الكلام، والحديث عن الله كموجود مطلق مثل وجود المثلث تبعا لقول المعلم الأول. وقد ذكره ابن سينا دون تعديل مما يدل على أنه كذلك عنده الوجود الجزئي هو الموجود، والوجود الكلي هو الموجود على الإطلاق. ويبدو التشابه بين التوحيد العقلي الوافد الأول والتوحيد الديني الموروث نظرا لقيام كل منهما على العقل، وقيام الثاني على العقل وهو أساس النقل. كما يفترض ابن سينا أن يكون المعلم الأول قد كتب «البرهان» قبل باقي كتب المنطق؛ لأن الغرض الأفضل في البرهان وفي القياس هو الوصول إلى اليقين. والطرق البرهانية تأخذ مما هو أعرف في العقل إلى ما هو أعرف في الطبيعة على ما صرح به المعلم الأول في الطبيعيات تأكيدا لوحدة العقل والطبيعة، وهو ما يوضحه ابن سينا في «السماع الطبيعي». أما باقي الإحالات إلى المعلم الأول فإن الغرض منها الاستشهاد على صحة تحليلات ابن سينا؛ فابن سينا هو المقروء والمعلم الأول هو القارئ. ابن سينا هو الرائي للشيء والمعلم الأول هو المثبت والمؤكد لهذه الرؤية. فإن حدث عدم تطابق بين الرؤيتين يتم تأويل أقوال المعلم الأول بناء على تحليل ابن سينا. ويدخل ابن سينا في مسار فكر المعلم الأول بداية ونهاية وعودا على بدأ. ويصف أفعال الإيضاح في شعوره ومحللا تشبيهاته ومجازاته، ومقارنا بينه وبين المعلم الأول في مواطن التشابه والاختلاف مثل التمييز بين الحد التام والحد الذي هو مبدأ البرهان اختصارا على المتعلم.