تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

57

ولما فحص هذه القوى في الإنسان وجد أنها لا تكفي في فهم النفس الإنسانية؛ لأنها معدة لأفعال أقوى وأزيد مما في الحيوان. فوجد في الإنسان النطق أو العقل أو المبادئ والقوى العقلية. فبحث في العقل، طبيعته وماهيته وقواه، وأنه ماهية الإنسان، وهو مبدأ فاعل، وغاية الطبيعة. نسبته إلى النفس كنسبة النفس إلى الطبيعة. وكما أن الجوهر الطبيعي ضربان: مادة وصورة، طبيعة وماهية، جوهر ومبدأ التجوهر، كذلك النفس ضربان؛ مادة وهي النفس، وصورة وهو العقل، قوة ومبدأ. الأولى خادم للثانية، والثانية رئيسة للأولى، لذلك فحص أفعال القوة العقلية وأفعال العقل. والعقل هو ما يتجوهر به الإنسان. وهو عقل كامل ما زال بالقوة في حاجة إلى أن يتحول إلى عقل بالفعل.

والعقل الذي يوجد بالفعل في الأشياء الطبيعية هو العقل العملي أو المشيئة والاختيار، والعقل الذي تحصل له المعقولات هو العقل النظري. وواضح هنا أولوية العقل العملي على العقل النظري. الأول يخدم الأشياء الطبيعية والثاني يخدم الأمور النفسانية ليحصل له كمال العقل. والمعقولات مخدومة لا خادمة. فالعقل آخر ما يتجوهر به الإنسان. ولا يوجد أكمل منه، والنفس خادمة للعقل كما أن الطبيعة خادمة للنفس. ولا تكفي الطبيعة والنفس لكمال الإنسان دون العقل.

والعقل النظري ذاته غير كاف إذا كان ما زال عقلا بالقوة دون أن يتحول إلى عقل بالفعل. والعقل بالقوة ليس أزليا، ومن ثم لا يتحول بالفعل إلا من فاعل قريب من العقل بالفعل وهو العقل الفعال. وهو عقل ليس في مادة. العقل بالفعل يحذو حذوه. ويتصف بصفات ثلاث؛ فهو فاعل وغاية وكمال. وهو عقل مفارق، وفاعل مفارق وغاية مفارقة وكمال مفارق. وإذا كانت الأجسام السماوية هي المبادئ المحركة للأسطقسات والأجسام الأخر فهل العقل مرادف لها خاصة إذا كانت للأجسام السماوية نفوس وعقول؟ وإذا كانت كذلك فإنها لا تكفي، وتكون أقل من العقل الفعال. وهو يشع على الأجسام السماوية فجعلها ذات نفوس وعقول. العقل الفعال أعلى من الأجسام السماوية كما أن الأجسام السماوية أعلى من الأجسام الطبيعية. والعقل الفعال هو الذي يعطيها حركتها المستديرة الدائمة. وهذا يحتاج إلى نظر أعم من النظر الطبيعي. فإن آخر ما ينتهي إليه النظر الطبيعي هو إثبات العقل الفعال ومحرك الأجسام السماوية.

ثبت إذن وجود الطبيعة والنفس في الإنسان، وهما القوتان العملية والنظرية، وكلاهما غير كافيين لفهم الأفعال الكائنة عن المشيئة والاختيار التابعين للعقل العملي. هنا ينتقل الفارابي من النفس والعقل إلى الأخلاق، ويصبح العقل العملي تاليا للعقل النظري بعد أن كان عقلا طبيعيا سابقا عليه. والعقل العملي في الإنسان غير النزوع في الحيوان لأن الأول كمال نظري في حين أن الثاني قوة طبيعية غير مختارة؛ ومن ثم تؤدي الفلسفة الطبيعية إلى الفلسفة الإنسانية.

ولا يفصل الفارابي علم ما بعد الطبيعة وكأنه لا لزوم له ولا مكان له في فلسفة أرسطو. ويكتفي بالتحول من العلم الطبيعي إلى العلم المدني.

58

ويستدرك مسار فلسفة أرسطو كلها والانتقال من سلامة الأبدان. والحواس إلى النفس والعقل والعلم المدني على نحو تصاعدي لإكمال العقل الإنساني ولإكمال العلم الطبيعي، وربما لم يطلع الفارابي في ذلك الوقت على كتاب أرسطو «ما بعد الطبيعة» وأن عرضه جاء متأخرا عن «فلسفة أرسطو».

59

ومن ثم كانت الفلسفة ضرورية لكل إنسان بالوجه الممكن فيه، وكما بدأ الكتاب بالبسملة فإنه ينتهي بالحمدلة والصلاة على النبي وآله.

60

وفي النهاية يمكن إبداء الملاحظات الآتية: (1)

قرأ الفارابي أرسطو قراءة أفلاطونية كما قرأ أفلاطون من قبل قراءة أرسطية حتى يمكن ضم المذهبين معا في تصور ثالث يجمع بين الاثنين. فتحول أرسطو إشراقيا كما تحول أفلاطون عقليا طبيعيا، والفارابي هو الجامع بين الاثنين في تصور متكامل أتاه من الموروث كمخزون نفسي يمده بتصوراته للعالم. (2)

من النقل إلى الإبداع (المجلد الثاني التحول): (١) · الصفحة ٣٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الثاني التحول): (١)ص ٣٠