تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

البداية بالعمل قبل النظر، وبسلامة الأبدان والحواس قبل النفس والعقل على نحو ارتقائي، من الطبيعة إلى العقل يمثل روح المذهب الأرسطي. ثم يتم التحول من العقل النظري إلى العقل العملي من جديد في الانتقال من العلم الطبيعي إلى العلم المدني، طبقا للتصور الإسلامي. (3)

التركيز على منهج أرسطو القائم على الحس والمشاهدة بالإضافة إلى العقل الخالص مما يظهر أرسطو الطبيعي حتى يتم الاتفاق بين العقل والطبيعة، بين أفلاطون وأرسطو باسم الوحي المتطابق مع العقل والطبيعة. (4)

البداية بالموضوع المنطقي أو الطبيعي ثم بعد ذلك يحال إلى مؤلفات أرسطو. يعرض الفارابي الموضوع وليس الكتاب ثم يحيل إلى الكتاب كما يحال إلى المصدر. هذا هو الفرق بين العرض من ناحية والشرح والتلخيص من ناحية أخرى. العرض للموضوع، والشرح والتلخيص للنص لفظا ومعنى، والجوامع عود إلى الموضوع، وأحيانا يتم عرض الموضوع تفصيليا والإحالة إلى مقالة في كتاب كما هو الحال في «الآثار العلوية». (5)

تحويل المنطق إلى علم إنساني أقرب إلى تحليل الخطاب أو لغة التحاور بعيدا عن أشكال القياس وضروبه بالرغم من قصر عرض الخطابة والشعر، فالمنطق تحليل للعلاقات بين الذوات، للمعنى والألفاظ. (6)

تدل ركاكة الأسلوب على أن الكتاب متقدم في التأليف وأنه سابق على اطلاع الفارابي على كتاب «ما بعد الطبيعة». كما أنه مملوء بالتكرار والإسهاب مثل «تحصيل السعادة» وعلى عكس «فلسفة أفلاطون» التي تعرض فلسفته محاورة محاورة. كما يطول مبحث الجوهر والنفس. (7)

يظهر الموروث على نحو ضمني غير مباشر سواء في أسلوب الاعتراض «فإن قال قائل»، وفي أسلوب السؤال والجواب المعروف عند الأصوليين أو في المضمون، التصور الرأسي للعالم، وعلاقة الرئيس بالمرءوس، والمخدوم بالخادم، والأعلى بالأدنى الأثير عند الفارابي، أو في التصور الديني الموروث مثل العقل الفعال المفارق الذي يتصف بصفات مثل صفات الله، والذي فيه يتم تعشيق الوافد، أفلاطون وأرسطو، في الموروث.

| الفصل الثاني: العرض النسقي

| أولا: العرض النسقي المنطقي (ابن سينا أبو البركات)

(1) الموسوعات الثلاث (ابن سينا)

العرض هو تأليف في الوافد والذي تبلغ ذروته عند ابن سينا في نسق منطقي وعند إخوان الصفا في نسق شعبي، استمرارا للعرض الجزئي خاصة عند الكندي والرازي، والعرض الكلي عند الفارابي.

وهو عرض لأقسام الحكمة الثلاثة؛ المنطق والطبيعيات والإلهيات عند ابن سينا في موسوعتي الشفاء والنجاة أو الأربعة عند إخوان الصفا بإضافة جزء رابع في العلوم الإلهية الناموسية والشرعية أو عند ابن سينا في «الإشارات والتنبيهات» بزيادة جزء عن المقامات والأحوال.

والتأليف في الوافد له عدة أشكال: تمثل الكندي إلى عرض الفارابي إلى تنظير ابن سينا إلى تطهير ابن رشد وتصحيحه. تمثل الكندي وحسن فهمه للوافد مقدمة البداية عرض الفارابي له بوضوح. الكندي أخذ والفارابي أعطى. الكندي فهم والفارابي عبر. وكان من السهل على ابن سينا بعد ذلك أن ينظر الحكمة كلها ويجد لها بنية ثابتة ما زالت حتى الآن عبر التاريخ سواء في تاريخ الفلسفة الإسلامية أو في تاريخ الفلسفة الغربية في العصر الوسيط. أما ابن رشد فعاد إلى الأصول الأولى يعيد فهمها بعيدا عن خلط المتفلسفين، مسلمين ومسيحيين بين أرسطو وأفلاطون، بين الفلسفة والتصوف كما هو الحال في الفلسفة الإشراقية، فابن رشد هنا عقلي سلفي ظاهري أصولي.

بعدما فتت الفارابي الآخر، وأدخل الوافد في الموروث ركب ابن سينا الآخر وجعله هو العلم والنسق.

1

الفارابي صاحب فهم وابن سينا صاحب موضوع أو مذهب.

2

الفارابي تحليلي وابن سينا تركيبي. الفارابي معلم وشيخ وابن سينا تلميذ ومريد، الفارابي عبقري وابن سينا ماهر.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الثاني التحول): (١) · الصفحة ٣١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الثاني التحول): (١)ص ٣١