46
وبطبيعة الحال لا يذكر إلا الوافد دون الموروث. ولا يذكر من الوافد إلا أرسطو ثم أفلاطن وعلى نحو قليل.
47
ولا تظهر أفعال القول. فالعرض قد تجاوز الشرح والتلخيص. بل تظهر أفعال الشعور المعرفي في الزمنين الماضي وهو الأكثر مثل أراد، وجد، أخذ، ابتدأ، أردف، أتى، بين، ألزم، شرع، ابتدأ، تأمل، فحص، أمعن، تلمس، علم، ميز، عرف، سمى، أكمل، أو في المضارع مثل يرى. وهي أفعال تدل على المعرفة والرؤية والبيان والتوضيح والتأمل والفحص، وفي نفس الوقت تدل على البداية والنهاية ووصف مسار الفكر.
ويحدث التقابل بين الأنا والآخر في ذكر أسماء بعض الكتب المنطقية مرة باليونانية ومرة بالعربية مثل قاطيغورياس باليونانية والمقولات بالعربية بداية بالتعريب من الآخر ثم الترجمة من الأنا، أنالوطيقا باليونانية التحليل بالعكس بالعربية، طوبيقا وهو المواضع. وأحيانا بداية بترجمة الأنا ونهاية بتعريب الآخر مثل العبارة بالعربية وبرمانياس باليونانية. وأحيانا تذكر الترجمات العربية وحدها دون التعريب اليوناني مثل الحكمة، الجدل، الرياضة، المنطق، الطبيعة، ما بعد الطبيعة، التبكيتات، المكابرة، البهت، الجوهر، العرض، المادة والصورة، القوة والفعل، العلل المادية والصورية والفاعلة والغائية، الحركة والسكون، السماع الطبيعي، السماء والعالم، الكون والفساد، الآثار العلوية، النفس، العقل، النبات، الحيوان، النوم واليقظة، طول العمر وقصره، الحس والمحسوس، الشباب والهرم، الصحة والمرض، وأحيانا يذكر التعريب اليوناني والنقل العربي في آن واحد مثل أنالوطيقا الثانية. وأحيانا يتحول اللفظ المعرب إلى لفظ عربي، ويستمر كذلك ويصبح من الألفاظ الدخيلة مثل السوفسطائية وأقل منها لفظ أسطقس وجمعه أسطقسات.
48
ويبدأ العرض ببيان اتفاق أفلاطون وأرسطو فيما يتعلق بكمال الإنسان. ولما كان الموضوع غير بين بنفسه أو ببرهان يقيني فقد بدأ أرسطو بما بدأ به أفلاطون وهو أن المطالب التي يتشوق إليها الإنسان أربعة؛ سلامة الأبدان، وسلامة الحواس، وسلامة القدرة على معرفة تمييز الأشياء التي بها السلامة، وسلامة القوة على السعي لتحقيق هذه السلامة. تلك هي المعرفة الضرورية وهذا هو السعي سواء كان سعي الإنسان بمفرده أو بالتعاون مع آخرين، سواء كان بفعل أو بقول. وكلاهما نافع وضروري. هنا يبدأ أرسطو من البدن وليس من العقل، من الواقع وليس من المثال.
ثم وجد أرسطو أن النفس متشوقة إلى الوقوف على أسباب الأشياء المحسوسة والأمور المشاهدة في السماء والأرض، ما يراه في نفسه وفي العالم
وفي الأرض آيات للموقنين، وفي أنفسكم أفلا تبصرون ،
سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم ، وسمع هاجسا في النفس يتجاوز هذه المطالب الأربعة، يفرح به ويلتذ كلما كان علمه به أيقن وأوثق، وكان ما وجده أكمل وأعظم. وهكذا يصبح أرسطو إشراقيا مثل الفارابي ويدرك الإنسان أن ما أدركه يعطيه فضلا وجمالا ونبلا وجلالة دون غيره من الناس. فالإشراق فردي وليس عاما. وحصل له فضل وكمال ليس عند غيره، ووقع له تجل ونبل يعجب به ويستعجب غيابه عند الناس أو يراه كرامة له خاصة إذا كان مستعصي الفهم عند الجميع الذين قد يرون أن هذا العلم غير ضروري، بل فضلا زائدا على النافع الضروري وإن كانوا يرونه جلالا ونبلا. فينقسم العلم عندهم إلى قسمين. علم نافع في سلامة الأبدان وعلم يتشوق لذاته. الأول علم عملي والثاني علم نظري، فالعمل يسبق النظر، والنظر يتجاوز العمل. ويستعمل الناس الحواس لإدراك المطالب الأربعة أو فيما لا نفع مباشرة فيه مثل النظر إلى التماثيل وشم الراوئح الطيبة وسماع الأصوات الجميلة أي الأعمال الفنية، اللذة من أجل اللذة. فالإدراك الحسي مؤشر أيضا على أن المعرفة قد تكون للمعرفة. وهناك معارف أخرى خارجة عن المعارف الحسية الأربعة يتشوق الإنسان إليها مثل الخرافات والأحاديث وأخبار الناس والأمم ينال فيها الإنسان اللذة والراحة وكذلك النظر إلى المحاكين وسماع الأقاويل والأشعار. وقد تكون نافعة في الإدراكات الأربعة عرضا لا قصدا.