تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

49

وهناك معارف نشأت مع الإنسان وكأنها فطرت معه وحصلت له بالطبع وزائدة على ما تدركه الحواس، يلجأ إليها لاستكمال المعارف الحسية. فهي كافية للحواس وغير كافية لمعارف أخرى وتحتاج إلى تأمل وروية واستشارة الآخرين أي التجربة المشتركة. ربما تسبب الحيرة بين النفع والضرر، وربما تنكشف على أنها مجرد وهم. بعضها أوثق من بعض. فإذا صادف صاحبها اليقين وصل إلى الكمال. وهذا حال الإنسان في العلوم العملية.

المدركات إذن في العلوم العملية ثلاث؛ المدركات بالحواس، والمدركات بالمعرفة الأولى الزائدة على الحواس، والمدركات بالفحص والتأمل والروية والعلوم النظرية أيضا التي تجري على نفس المنوال. الأولى تسمى المحسوسات، والثانية تسمى المقدمات، والثالثة النتائج، ولا يمكن للإنسان استنباط الأشياء النافعة دون معرفة غاية السعي، مثل غاية سلامة الأبدان وسلامة الحواس كل منهما غاية الآخر، وكلاهما سلامة نافعة، وربما أحدهما غاية والآخر وسيلة. فلا قوام للبدن دون الحواس، ولا قوام للحواس دون البدن، وهو وقوع في الدور. وربما يكون كلاهما وسيلة لكمال الفطرة كغاية. وقد تكون الفطرة أي الطبيعة وسيلة للإرادة والاختيار. إذن تتسلسل الوسائل وتتسلسل الغايات. كل وسيلة لها غاية، وهذه تكون وسيلة لغاية أخرى حتى الوصول إلى غاية الغايات صعودا من الأدنى إلى الأعلى، من الصبا والحداثة إلى البلوغ والنضج؛ فالمعارف ترتقي بترقي الأعمار.

وتترقى المعارف الأربعة الأولى سلامة الحواس والأبدان إلى المعارف الثانية الطبيعية والإرادية وإلى معارف تتشوق إليها النفس تخوفا من الإفراط في الشهوات شوقا نحو الأكمل وهي المعارف الخلقية. وهو تشوق إلى علم إنساني، إلى ما ينبغي أن يكون. هو علم أخص بالإنسان لأن المدركات الحسية الأربعة الأولى يشارك فيها الإنسان والحيوان، وليس للحيوان تشوق إلى فكر وأسباب في السماء والأرض أو تعجب من أشياء يود التعرف على أسبابها، في حين أن الإنسان له ذلك، وقد يكون أكمل من إنسان بمعرفة جوهره متجاوزا أعراضه. صحيح تتشوق النفوس إلى أن تعلم النافع الضروري، وما زاد عن ذلك يكون فضلا في العلم. فإذا ما تشوقت النفس إلى هذا الفضل هل يكون تعديا وتجاوزا بل وآفة تلحق بالطبع ينبغي التخلص منها أو ربما إتمامها؟ هذا كله موضع حيرة وتشعب ظنون وموضع تأمل. فما الحجة عليه واختلاف الناظرين كثير؟ وإن اختار الإنسان عشوائيا فإن ذلك يعني تقصيره عن رتبة الوجود. وإذا ترقى الإنسان في المعارف من المعارف الحسية إلى الطبيعية إلى الاختيارية فهل لها كلها أدوات وآلات مثل الحواس والإرادة؟ وإذا أفرطت الإرادة فكيف الحكم عليها، بالطبيعة السابقة عليها أم بإرادة تالية لها؟ وهذا ما يدعو الإنسان إلى الفحص والتأمل في جوهره وكماله الأخير. كيف يصير إنسانا وماهيته إنسانية ووجوده حتى يكون سعيه نحوه من تلقاء نفسه؟

الفعل الإنساني هو غايته سواء الفعل الفردي أو فعل المدينة. ولا يمكن معرفة غرض الجزء دون معرفة غرض الكل. كما لا يعرف غرض الأعراض دون معرفة غرض الجوهر. ولما كان الإنسان جزءا من العالم فإن معرفة غرض العالم يساعد على معرفة غرضه. فالإنسان جزء ضروري في العالم، وغرضه الأقصى هو الغرض الأقصى للعالم؛ فمعرفة غرض واحد تؤدي إلى معرفة غرض الآخر. وإذا كان في الإنسان طبيعة وإرادة فإن في العالم أيضا طبيعة وإرادة يكون موضوعا للفحص الطبيعي وهي الطبيعيات والفحص الإرادي وهي الإنسانيات، موضوع السير الفاضلة والأفعال الجميلة التي تبعد الإنسان عن الرذائل والسيئات والأفعال القبيحة. ولما كانت الأشياء بالطبيعة والفطرة تتقدم بالزمان الأشياء بالإرادة والاختيار تقدمت الطبيعيات على الإنسانيات وإن كانت الغاية في كليهما علم اليقين.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الثاني التحول): (١) · الصفحة ٢٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الثاني التحول): (١)ص ٢٦