42
فلما كملت هذه المدينة بالقول عرض في «طيماوس» الموجودات الإلهية والطبيعية معقولة ومعلومة وترتيب باقي العلوم. ثم عرض في «النواميس» السير الفاضلة لأهل المدينة حتى يجمعوا بين العلوم النظرية والفضائل العملية. وبين رتبة الرياسة في «كريتاس» الذي بين فيه كيف يربي سقراط ولده جمعا بين «طيماوس» و«النواميس». وتحصل هذه المدينة بالفعل بوضع نواميس لها كما عرض في «أبينمس» ثم عرض كيفية تعليم أهل المدن والأمم وتأديبهم واختيار طريق سقراط أو تراسوماخس. وبين لقومه ما هم فيه من جهل. وطريق تراسوماخس تأديب الأحداث وتعليم الجمهور. وكان لسقراط القدرة على الفحص العلمي عن العدل والمحبة وباقي الفضائل دون القدرة على تأديب الأحداث والجمهور. أما الفيلسوف الملك وواضع النواميس فله القدرة على الطريقين معا. طريق سقراط طريق الخواص. وطريق تراسوماخس طريق الأحداث والجمهور. ثم فحص مراتب الملوك والفلاسفة والأفاضل في نفوس المدينة ومقومات عظمتهم وعظمة الملوك في «منكسانس» إذ لم يشر إلى ذلك أحد من القدماء.
ثم يشير الفارابي إلى «رسائل» أفلاطون التي ذكر فيها جمهور أهل المدن والأمم في زمانه وبين الخطر العظيم الذي يتعرض للإنسان الكامل الفاضل وضرورة تحويلهم إلى الحق والسير الفاضلة أو الاقتراب منها، بين في «الرسائل» كيف تنقضي سير الأمم والنواميس الفاسدة التي في المدن وكيفية الابتعاد عنها وإصلاح السير تطبيقا على أهل أثينية، قوم أفلاطون وسيرهم. وبالرغم من أن «فلسفة أفلاطون» لا تبدأ بالبسملة من المؤلف أو الناسخ أو القارئ أو المالك إلا أنها تنتهي بالحمدلة والصلاة على النبي محمد وآله الطاهرين.
43
ويمكن إجمال الملاحظات التالية: (1)
تحتاج «فلسفة أفلاطون» إلى نسق كلي يضم المحاورات كلها بدلا من الانتقال من واحدة إلى أخرى كما هو الحال في نسق أرسطو، المنطق والطبيعيات وما بعد الطبيعة. هناك نسق ضمني وهو الانتقال من الفرد إلى المدينة أو من الأخلاق الفردية إلى الأخلاق الاجتماعية. (2)
يعطي الفارابي قراءة فارابية لأفلاطون حتى يمكن شد ساق المثلث إلى القاعدة التي يشد إليها الضلع الثاني «فلسفة أرسطو»؛ ومن ثم يتوحد الفارابي مع أفلاطون وأرسطو حتى يمكن ضم المذهبين إلى تصور واحد؛ إرجاع تفرق الوافد وتجزئته إلى وحدة الموروث وتكامله.
44 (3)
يظهر الموروث على نحو ضمني مثل البداية بعلم اللسان كما فعل الفارابي من قبل في «إحصاء العلوم» وكما هو مصرح به في أصل الموروث
وعلم آدم الأسماء كلها
والشعر العربي، والتفرقة بين الخاصة والعامة، وذكر المساجد مع الهياكل، والحديث عن الأشياء الإلهية، وتفضيل الشفاهي على المكتوب كما هو معروف في رواية الشعر والقرآن والحديث. وقد يكون هذا التعظيم والتبجيل والتقدير لسقراط، علما وسيرة، لأنه نبي اليونان دفاعا عن النبوة والأنبياء
منهم من قصصنا عليك، ومنهم من لم نقصص عليك ،
وإن من أمة إلا خلا فيها نذير . (ج) فلسفة أرسطو
واسم الكتاب «فلسفة أرسطوطاليس وأجزاء فلسفته، ومراتب أجزائها، والموضع الذي منه ابتدأ وإليه انتهي». يشمل عرض المذهب إذن أربعة جوانب:
أجزاؤه ومراتبها تحليلا ثم تركيبا، عناصر ثم بنية، ثم نقطة البداية ونقطة النهاية أي تطور المذهب من منطلقاته ومقدماته الأولى حتى غاياته ومقاصده الأخيرة. الجانبان الأولان بنية المذهب، والجانبان الأخيران تطور المذهب.
45
ويقوم الكتاب على رؤية مركبة. الفارابي قارئا أرسطو قارئا أفلاطون رائيا الموضوع. وبالرغم من التباين في الرأي بين أفلاطون وأرسطو، بين المثال والواقع، إلا أن الفارابي يقرأ أرسطو قراءة أفلاطونية حتى يتم ضم المذهبين إلى مذهب الفارابي الإشراقي.
وبالكتاب بعض التكرار نظرا لأن العرض أحيانا يكون للكتب وأحيانا لموضوعاتها. فأسماء الكتب مشتقة من موضوعاتها. ولا يختلف الفارابي في فلسفة أرسطو عما عرضه الكندي من قبل في «كمية كتب أرسطو» إلا أن الكندي كان أكثر صراحة في أنه يبدأ بعرض أعمال أرسطو طريقا إلى فلسفته في حين أن الفارابي يعرض فلسفة أرسطو من خلال أعماله. يقوم الفارابي في عرضه لفلسفة أرسطو بتوضيحها لدرجة التبسيط وإيضاح ما اعتاص عليه حتى أصبحت فلسفة سطحية لا عمق فيها.