تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ثم يعرض الفارابي محاورات أفلاطون عن الفضائل مثل العفة والشجاعة، والمحبة والصداقة، والعشق. فبحث عن العفة المشهورة في المدن والعفة بالحقيقة، والعفيف بالظن والعفيف يقينا. وعرض لذلك في «خرميدس». ثم عرض الشجاعة في المشهور عند أهل المدن والشجاعة في الحقيقة وبين الفرق بينهما في «لاخس». ثم عرض المحبة والصداقة، وميز بين معناها عند الجمهور ومعناها في الحقيقة دون ذكر الاسم المحاورة وهي «ليسيس». ثم أراد أن يعرف كيف يصبح الإنسان فيلسوفا وأن يبلغ الأمور الفاضلة وأن يكون مستوليا على نفسه ولا يفكر في غيره مستهترا به. لذلك عرض موضوع العشق، ماهيته وجنسه. فالاستهتار منه ما هو محمود ومنه ما هو مذموم، وكل منهما كذلك عند الجمهور ظنا أو في الحقيقة يقينا. والإفراط في الإغراء وسوسة وجنون، وهما مذمومان في الظن الأول، ولكن في الحقيقة قد يكونان بالأشياء الإلهية لدرجة الإخبار بالمستقبل، وقد يكون تملك محبة الخير وإيثار الفضائل في المساجد والهياكل. وقد يكون شعرا وجنونا بأشياء روحانية. فهذا كله محمود. ثم أدى ذلك إلى فحص النفس لمعرفة الاستهتار والإغراق والعشق والجنون والوسواس، الإنساني المذموم فيه، والإلهي المحمود منه. الإنساني المذموم الجنون البهيمي والاستهتار بالأشياء الإلهية، والجنون الربعي، والوسواس الثوري، والجنون والوسواس التيسي. وميز بين الاستهتار البهيمي والاستهتار بالأشياء الإلهية، وبحث أصناف الوسوسة والاستهتار بالأشياء الفاضلة التي يقال إنها إلهية. وبين أن الفلسفة والمدنية والكمال لا يتم نيلها ونفس الإنسان مستهترة. ثم بين عن طريق الفلسفة طريق القسمة والترتيب أي التحليل والتركيب، وأن طريقا التعليم طريقان، الخطابة والجدل، مشافهة ومخاطبة أو كتابة، وميزة كل منهما، وما ينقص الكتابة عن المشافهة في التعليم وما تتميز به المشافهة على الكتابة طبقا للتقليد الشرقي الشفاهي. وقد سبقت المشافهة الكتابة وعرض ذلك في محاورة «فادروس».

41

ثم ينتقل الفارابي من الفلسفة الأخلاقية إلى الفلسفة الاجتماعية، ومن الفرد إلى المدينة لما تبين له أن هذه الصناعة وهي الفلسفة ليست من الصنائع المشهورة ولا السير الفاشلة مشهورة في الأمم والمدن، وأنه يصعب على الفيلسوف والملك الكامل تطبيق أفعاله في المدن في زمانه حيث الاستهتار، فبدأ بالفحص عن آراء الآباء وأهل المدينة والأمة دون تقليدها الالتماس الحق والفاضل فيها. وعرض ذلك في «أقريطن» أو «اعتذار سقراط».

ثم تساءل: هل ينبغي للإنسان أن يؤثر السلامة والحياة مع الجهل والسيرة القبيحة والأفعال السيئة؟ هل هناك فرق بين هذه الحياة والحياة البهيمية؟ هل هناك فرق بين الحياة والموت؟ وأجاب عن ذلك في احتجاج سقراط على أهل «أثينية» و«فاذن». وبين أن إيثار الموت على هذه الحياة البهيمية بل ما هو أشر منها أفضل. والحيوان لا يستطيع أن يتغير إلى ما هو أفضل في حين أن الإنسان الذي يصبح حيوانا أشر من الحيوان الذي لا يستطيع إلا أن يكون حيوانا. لذلك فضل سقراط الموت لأنه لا يستطيع أن يعيش مع آراء كاذبة وسيرة قبيحة. فإذا شارك الإنسان حياة الأمم والمدن لم تكن حياته حياة إنسان. وإذا انعزل عنهم عاش عيشة نكدة ولا يكون أمامه إما الهلاك أو الحرمان من الكمال. لذلك يحتاج الإنسان إلى مدينة أو أمة غير المدن والأمم الموجودة في ذلك الزمان يسودها العدل والخير بالحقيقة، فما يسود في المدن والأمم الأرضية هو الجور. هذه المدن والأمم المثالية ينال فيها الناس السعادة ويحصلون على المهنة الملكية، الفلسفة والأخلاق. الفلاسفة في القمة ويتلوهم سائر أهل المراتب. ثم تصل الأمم المضادة للمدينة الفاضلة وسيرة كل منها وأسباب التحول من الفاضلة إلى المضادة أي أسباب انهيار الأمم وسقوط المدن. وعرض ذلك في «السياسة».

من النقل إلى الإبداع (المجلد الثاني التحول): (١) · الصفحة ٢٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الثاني التحول): (١)ص ٢٣