تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

39

ويستعرض الفارابي العلوم عند أفلاطون قارئا إياه من خلال إحصاء العلوم. هل هذا العلم المطلوب هو علم اللسان، فإذا أحاط الإنسان بالأسماء الدالة على المعاني حسب الجمهور وعرفها عند أهل الاختصاص فقد أحاط علما بجوهر الأشياء؟ وقد عرض أفلاطون ذلك في محاورة «اقراطلس»، وربما توجها لا شعوريا من الموروث

وعلم آدم الأسماء كلها . هل هو الشعر؟ وهل صناعة الشعر قادرة على أن تحيط علما بالموجودات أو أن روايته قادرة على الوقوف على معانيه التي تحيل إلى الموجودات الطبيعية والسير المطلوبة أي العلوم الطبيعية والعلوم اللإنسانية؟ وهل التأدب بالأشعار وأن يقوم الإنسان بنفسه بتنفيذ وصاياه كاف لأن يصير الإنسان فاضلا؟ وكم مقدار من الشعر قادر على إعطاء المعرفة وما مقدار الشعر في المعارف الإنسانية؟ واضح أن الإجابة بالنفي وأن الشعر لا يؤدي إلى هذا العلم أصلا بل بعيد عنه غاية البعد. وقد عرض أفلاطون لذلك في محاورة «أين».

ويتكرر نفس السؤال بالنسبة للخطابة. هل صناعة الخطابة أو الرأي الخطبي قادر على النظر في الموجودات ويعطي العلم المطلوب والسيرة الكاملة؟ وما المقدار اللازم منها وما مقدار ما تعطيه الخطابة من العلم؟ والإجابة أيضا بالنفي في محاورة «جورجيس». هل الصناعة السفسطائية هي التي تعطي هذا العلم؟ والإجابة كالعادة بالنفي بالرغم من غناء هذه الصناعة. وقد عرض أفلاطون لذلك في محاورة «سوفسطس» و«أوتوذيمس». فغرض السوفسطائي لا يؤدي إلى العلم المطلوب ولا ينظر في أمور الموجودات. السوفسطائي أقرب إلى اللعب منه إلى العلم. ولا يؤدي إلى علم نافع في نظر أو في عمل. ولا تفرق صناعة الجدل عن صناعة السفسطة في أنه ليس طريقا للعلم أو أن فيه كفاية بالرغم من غناه. إذن يحتاج هذا العلم إلى قوة أخرى مضافة إلى قوة الارتياض الجدلي حتى يحصل ذلك العلم وهو ما عرضه أفلاطون في محاورة «برمنيدس».

40

ثم توجه أفلاطون بنفس السؤال إلى الصنائع العملية المشهورة علمية أو نظرية لعل أحدها أو الأفعال الناتجة منها مقدار الضروري منها يعطي العلم المطلوب. فهذه الصنائع لا تهدف إلى الكمال الأقصى بل الأمور الناقصة الضرورية والمربحة. وكلاهما يفيد معنى واحدا عند الجمهور، الضروري مربح والمربح ضروري، وقد عرض أفلاطون لذلك في محاورة «القيبيادس الثاني». ثم عرض بعد ذلك الأمور الناقصة في الحقيقة والمربحة في الحقيقة والأرباح الفاضلة في الحقيقة. وتبين أن لا شيء منها يعتبر من الصنائع المشهورة، وأن ما يحتاجه الجمهور منها هو النافع والمربح فقط وليس النافع والمريح على الحقيقة. وقد خصص لذلك أفلاطون محاورة «أبرخس». ثم تساءل إلى أي حد يمكن الحصول على العلم المطلوب عن طريق أهل الرياء والمغالطين وما يقصدون به من الحيل. ويعني الجمهور بهذه الصناعة الجلد والرجلة أي الرجولة وغبطة الإنسان بها. وكتب لذلك أفلاطون محاورتي «أفيس» و«السوفسطائي». ويعني بهما أفلاطون «هيبياس الأصغر» و«هيبياس الأكبر» على اسم سوفسطائيين. وهي صناعة لا تؤدي إلى العلم ولا إلى السيرة المطلوبة. ثم فحص أفلاطون سير أصحاب اللذات وهل تبلغ الكمال المطلوب. وفرق بين اللذة التي يطلبها الجمهور واللذة بالحقيقة، وأن الأولى لا تؤدي إلى الثانية. وقد عرض ذلك في كتاب «اللذة» المنسوب إلى سقراط.

وبعد استبعاد كل هذه الصنائع التي لا تؤدي إلى العلم المطلوب ولا إلى السيرة الفاضلة انتهى إلى أن الفلسفة هي هذا العلم الذي يحقق هذين الغرضين. وعرض لذلك في محاورة «ثيجس» التي تعني التجربة ثم بين في محاورة «أرسطا» أن الفلسفة ليست فقط الأشياء الفاضلة بل أيضا النافعة في الحقيقة، ونافعة ضرورية في الإنسانية. أما الصناعة التي تعطي السيرة الفاضلة فهي الصناعة الملكية والمدنية أي الفلسفة السياسية. لذلك كان الفيلسوف والملك شخصا واحدا، بمهنة واحدة وقوة واحدة.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الثاني التحول): (١) · الصفحة ٢٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الثاني التحول): (١)ص ٢٢