وقد حتم هذا المنهج التعرف على فلسفة أفلاطون من خلال أعماله أي المحاورات التي بلغت حوالي الثلاثين مما يدحض الرأي الشائع أن أفلاطون لم يترجم لأسباب دينية أو أن المسلمين اهتموا بترجمة أرسطو أكثر مما اهتموا بترجمة أفلاطون. ولما كانت أسماء المحاورات أسماء أعلام إلا أن الغالب على استعمالها أسماء المحاورات أي المؤلفات.
34
أما أسماء الإعلام فمن الطبيعي أن يأتي في المقدمة سقراط ثم أفلاطون.
35
ويترجم أفلاطون كل اسم محاورة ترجمة حرفية مع أنه اسم علم، اسم محاور سقراط في الغالب.
36
ومن أجل وصف مسار المذهب، بداية ونهاية تبدأ كل فقرة باسترجاع مضمون الفقرة السابقة حتى تطول الجملة للتذكير بما فات ثم يأتي موضوع الفقرة الجديدة. ولما كانت كل فقرة عرضا لمحاورة بدأ التذكير بمواضيع المحاورات السابقة قبل البداية بعرض موضوع المحاورة الجديدة حتى يظهر كيف كون أفلاطون فلسفته خطوة خطوة، من الأول إلى الآخر.
ربما قرأ الفارابي أفلاطون قراءة أرسطية بالبحث عن الفلسفة كعلم بالموجودات، العلم بالموجود من حيث هو موجود، ابتداء من كتب المنطق واستعراضها لعل فيها العلم المطلوب، بداية بعلم اللسان. ويشمل المقولات والعبارة والقياس والبرهان ثم علوم الشعر والخطابة والسفسطة والجدل، بداية بمنطق اليقين ونهاية بمنطق الظن. فقراءة أفلاطون قراءة أرسطية، وربما قراءة أرسطو قراءة أفلاطونية في «فلسفة أرسطوطاليس» تجعل ضمهما في فلسفة الفارابي ممكنا.
وبهذا العرض يمحى الفرق بين فلسفة الفارابي وفلسفة أفلاطون وربما فلسفة أرسطو بين «تحصيل السعادة» و«فلسفة أفلاطون» و«فلسفة أرسطو». هي فلسفة واحدة يتم عرضها ثلاث مرات، الأولى ابتداء من الفارابي إلى أفلاطون وأرسطو، والثانية ابتداء من أفلاطون إلى الفارابي وأرسطو، والثالثة ابتداء من أرسطو إلى الفارابي وأفلاطون. البداية واحدة والنهاية واحدة.
37
والغالب على أفعال القول «فحص» أي تتبع مسار فكر أفلاطون أمام موضوعاته. أحيانا يكون الفعل مسبوقا بفعل آخر مثل «ابتدأ وفحص». ثم يأتي فعل «بين» وأحيانا «بان» مما يدل على أن البيان نتيجة الفحص، وأحيانا يأتي البيان والفحص في صيغة شرطية «لما بين ... فحص» من أجل الربط بين الموضوعات وتسلسلها من البداية إلى النهاية. وغالبا ما يتم الربط بحرف العطف «ثم». وتتراوح الأفعال الأخرى بين ذكر، نظر، أعطى، شرع ... إلخ.
ولا يقارن الفارابي بين أفلاطون وأرسطو لما كانا هما الضلعان المتساويان في مثلث «تحصيل السعادة» الذي يحيل إلى أفلاطون وأرسطو. فقد كتبت «فلسفة أفلاطون» منعزلة عن «فلسفة أرسطو» وكأنها مذهب قائم بذاته ودون إحالة إلى الساق الثاني.
38
وغاية فلسفة أفلاطون البحث عن كمال الإنسان من حيث هو إنسان. وهي نفس غاية فلسفة أرسطو، الفضائل الخلقية الأربعة: النظرية والفكرية والخلقية والعملية. وهل كمال الإنسان أن يكون تام الأعضاء جميل الوجه، ناعم البشرة أو أن يكون ذا حسب ونسب في عشيرته، كثير من الأصدقاء والمحبين أو أن يكون ذا يسار أو معظما ممجدا ذا رئاسة على طائفة أو مدينة؟ قد تكون السعادة في غير ذلك كله أو قد تكون في بعضها دون البعض الآخر أو قد تكون السعادة كذلك في أحد مستوياتها الأولى دون السعادة الكاملة. وتبين أن السعادة علم وسيرة كما عرض في كتاب «القيبيادس» أي الدستور الأول، المعروف بكتاب الإنسان السعادة نظر وعمل، فكر وحياة، عقل وسيرة، سقراط نموذجا.
وتبدأ هذه السعادة بالعلم بجوهر موجود من الموجودات كلها، وهو أحد كمالات الإنسان وأعظم غاياته وكما عرض في كتاب «طائطيطوس» الذي يعني الإرادي. وموضوع المحاورة في الحقيقة هو العلم. ثم تساءل عن السعادة التي هي بالحقيقة، وإلى أي علم تنتسب، وبأي ملكة ترتبط، وبأي فعل تتحقق. وتبين أنها السيرة الفاضلة، وكما عرض لذلك في «فيلبص» وتعني حبيب. ثم تساءل: هل يمكن أن يحصل للإنسان علم الموجودات كما يريد أو أن الأمر كما يقول أفرو طاغورس الشاك باستحالة هذا العلم أو حصوله نسبيا متوقفا على كل فرد واعتقاده وليس علما واحدا عاما للجميع؟ وأجاب بأن العلم الذي عرض في «تائطيطوس» ممكن، وهو من الكمال الإنساني وليس الذي يقوله أفروطاغورس في محاورة تحمل اسمه. ثم تساءل هل يحصل هذا العلم باتفاق أو عن تعليم وتعلم أو أن العلم والتعلم مستحيل كما قال مانن الذي زعم أن التعلم باطل ولا يوصل إلى علم، أم أن الإنسان، يعلم بالطبع والاتفاق وربما لا يعلم ما يجهل لا بفحص ولا بتعلم واستنباط، ويظل مجهولا؟ وأجاب بأن هذا العلم يحصل بقوة صناعية يكون بها الفحص ممكنا في كتاب «مانن». ثم أخذ يستقرئ الصنائع المشهورة عند أهل المدن والأمم، بما يوجد في الفحص البياني عن الموجودات، وهي صناعة قياسية قد تعطي العلم والسيرة، ولكنها صناعة غير كافية كما عرض لذلك في «أوتفرون».