تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الفيلسوف الباطل هو الذي تحصل له العلوم النظرية دون كمالها الأخير ودون تحقيقها بكل إمكانياتها. هو الذي لم يشعر بفرض الفلسفة فيحصل على النظري دون العملي، وعلى المعرفي دون الأخلاقي. وظن أن السعادة ما ظنه الجمهور، خيرات فطلبها، قد يناله وقد لا يناله، والفيلسوف البهرج هو الذي يتعلم العلوم النظرية دون تزويرها ولكنها لم تتحول لديه إلى أفعال فاضلة أو الجميلة بحسب الملة بل تابع هواه وشهواته في كل شيء، والفيلسوف المزور هو الذي تعلم العلوم النظرية من غير أن يكون معدا بالطبع نحوها وهو أقل من الباطل والمزور لأن الباطل والمزور على الأقل حصل كل منهما على العلوم النظرية دون أن تتحول عنده إلى فضائل أو اضمحلت عندها تدريجيا لكبر السن فتنطفئ علومهما أشد من انطفاء نار أرقليطس الذي يذكره أفلاطون لأن طباع الأول وعادة الثاني يقهران ما تعلماه في شبابهما ويثقلان عليه ما قد احتملا الكد فيه فيهملانه، فتضيع الثمرة وإن حدث الغرس. أما المزور فهو الذي لا تتوافر فيه الأهلية على العلوم النظرية منذ البداية. والفيلسوف الحق هو الذي جمع بين الفضائل الفطرية والفكرية والخلقية والعملية سواء انتفع به الناس أو كمل في ذاته. فالملك والإمام بماهيته وصناعته وليس بقبول الناس له. كما أن الطبيب طبيب حتى دون علاج للمرضى، فالقمة قائمة سواء وجدت القاعدة أم لم توجد. إلى هذا الحد بلغ استقلال الرياسة عند الفارابي حتى غياب المرءوسين. وتنتهي الرسالة بالحمدلة والصلاة والسلام على سيد المرسلين.

33

ويلاحظ على تحصيل السعادة الآتي: (1)

إن البنية في «تحصيل السعادة» التي أراد الفارابي ضم أفلاطون وأرسطو فيها هي بنية أفلاطونية إشراقية وليست بنية محايدة. والفارابي أفلاطوني النزعة. فكان ضم المذهبين في تصور ثالث غير متعادل منذ البداية لصالح أفلاطون أكثر منه لصالح أرسطو. (2)

يوحد الفارابي بين المنطق والوجود، بين الميتافيزيقا والطبيعة، بين النظر والعمل، والرياضيات شرط العلوم كلها كما عرض في «إحصاء العلوم». (3)

الفلسفة إعادة إنتاج كل شيء وليست مجرد غاية في ذاتها. هي أداة للمعرفة الشاملة، علم العلوم، فضيلة الفضائل، صناعة الصناعات. الفلسفة ليست حرفة يحذقها الحرفي بل أداة تعرف بها كل العلوم والصناعات. (4)

يظهر الموروث عن بعد، وبطريق ضمني غير مباشر مثل التركيز على الفطرة والطبيعة والاستعداد، والتوحيد بين الجميل والخير والنافع، وضرورة التشريع للمجتمع، وتحول الطبيعة إلى إرادة، وجعل الفضائل فطرية وبالاختيار. (5)

الفلسفة أعلى من الدين، والحقيقة أكمل من الملة. الفلسفة يقين في حين أن الملة تعتمد على الإقناع أو التخييل. الفلسفة الخاصة والملة العامة، وهو ما ظهر عند ابن سينا وابن رشد بعد ذلك. (6)

تحويل الفلسفة النظرية إلى فلسفة في الأخلاق والسياسة والاجتماع والقانون والتاريخ الفلسفة ليست فقط مرتبطة بالفرد ولكنها أساس المنازل والطوائف والمدن والأمم والمعمورة كلها، وتنوعها بحسب اختلاف الزمان والمكان. (7)

الوقوع في التصور الهرمي للعالم في ثنائية الرئيس والمرءوس، الإمام والمأموم، الملك والرعية، والتوحيد في الرئيس أو الإمام أو الملك أو الفيلسوف كل السلطات التشريعية والقضائية والتنفيذية، والتركيز على الحرب والاقتصاد، والجهاد والمال، ودور الرئيس في تأديب الأمم طوعا أو كرها، بل وإمكانية استقلال الرئيس عن الدولة، والإمام عن المأمومين، والملك عن الرعية. (ب) فلسفة أفلاطون

واسم الكتاب «فلسفة أفلاطون وأجزاؤها، ومراتب أجزائها، من أولها إلى آخرها». وهو الجزء الثاني من الثلاثية، الضلع الأول في المثلث المتساوي الأضلاع أو الساقين. ويتضمن العنوان منهج التأليف أي التحليل، تحليل فلسفة أفلاطون إلى أجزائها ثم التركيب في «مراتب أجزائها». وكلاهما من حيث بنية المذهب. أما من حيث المسار والتاريخ فإن الفارابي يريد معرفة البداية والنهاية، الأول والآخر أي حركة المذهب وتطوره؛ فالغاية إذن رباعية. التعرف على فلسفة أفلاطون بنية وتاريخا، البنية تحليلا وتركيبا، والتاريخ بداية ونهاية. وهي نفس البنية للجزء الثالث «فلسفة أرسطوطاليس».

من النقل إلى الإبداع (المجلد الثاني التحول): (١) · الصفحة ٢٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الثاني التحول): (١)ص ٢٠