تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وكما تحولت الفضائل النظرية والعملية إلى فلسفة، ثم تحولت الفلسفة إلى فلسفة في التاريخ، تتحول الفلسفة أيضا إلى فلسفة في القانون والتشريع. فإذا وجدت بالفعل معقولات الأشياء الإرادية التي تعطيها الفلسفة العملية وتوفرت فيها الشروط يمكن تحويلها إلى نواميس. فواضع النواميس هو الذي له القدرة على أن يستخرج بجودة فكره شرائطه التي يصبح بها موجودا بالفعل تنال به السعادة القصوى ويكون هو الفيلسوف الرئيسي أو الرئيس الفيلسوف. فشرط التشريع هو الفلسفة. والفلسفة إن لم تتحول إلى تشريع تكون ناقصة بل يصفها الفارابي بأنها باطلة. فمن اقتنى الفضائل دون أن تكون له القدرة على إيجادها على العموم وليس على الخصوص، وأن يستخرج المعقولات الإرادية أحوالها وشرائطها بحيث تكون موجودة بالفعل يكون ناقصا؛ فالفضيلة الفكرية شرط التحول إلى الفضيلة العملية. والفضيلة العملية لا توجد إلا بشرط الفضيلة الفكرية. ويتطلب ذلك أيضا القدرة على جودة الإقناع والتخييل.

الإمام والفيلسوف والمشرع - أي واضع النواميس - معنى واحد إلا أن الفيلسوف يدل على الفضيلة النظرية والفيلسوف الكامل هو الذي يصل بها إلى كمالها الأخير، فيصبح واضع القواميس الذي يتضمن جودة المعرفة بشرائط المعقولات العملية والقوة على استخراجها وإيجادها في الأمم والمدن. والملك يفيد التسلط والاقتدار، والاقتدار التام ينبع من الداخل وليس من الخارج، وهو ما يتطلب قوة المعرفة والفكرة والفضيلة والصناعة وإلا نقصت قدرته. وإن كان قادرا على الخيرات دون السعادة القصوى كان ناقصا، لذلك صار الملك على الإطلاق هو الفيلسوف واضع النواميس. والإمام في لغة العرب يدل على المؤتم به والمستقبل، أما المتقبل كما له أو المتقبل غرضه. فإن لم يكن متقبلا لجميع الأفعال والفضائل والصناعات لم يكن متقبلا على الإطلاق، وإن لم يوجد غرض يلتمس حصوله بشيء من الأفعال والفضائل والصناعات سوى غرضه كانت صناعته وفضيلته وفكرته وعلمه أعظم الصناعات والفضائل والأفكار والعلوم، ولا يمكن ذلك دون العلوم النظرية والفضائل الفكرية عند الفيلسوف.

الفيلسوف والرئيس الأول والملك وواضع النواميس والإمام إذن معنى واحد. وهي مترادفات على التبادل عند جمهور اللغويين، تدل على معنى واحد. ومتى حصلت هذه الأشياء النظرية التي برهنت في العلوم النظرية، وتخيلت في نفوس الجمهور، ووقع التصديق بها، وحصلت الأشياء العملية بشرائطها، وتمكن وجودها من النفوس واستولت عليها وصارت عزائم تنهضهم نحو أفعال أخرى ؛ فقد تحققت الفضائل النظرية والعملية بأعيانها وببصيرة يقينية إذا كانت في نفس واضع النواميس. وإذا كانت في نفوس الجمهور فهي ملكة عن تخيل وإقناع. وهي عند واضع النواميس الفيلسوف ليست مخيلات أو مقنعات بالنسبة له بل يقينية، بل هو الذي اخترعها لتتمكن من نفوس الجمهور على أنها تخييل وإقناع لغيره. له فلسفة ولغيره ملكة. فهو الفيلسوف بالحقيقة.

أما الفلسفة البتراء وفيلسوف الزور والبهرج فيلسوف الباطل فهو الذي يشرع قبل أن يتعلم العلوم أو أن يتعلم العلوم دون أن يكون موطأ لها. التشريع في النظر أهلية واستعداد وفطرة. وهي الشروط التي ذكرها أفلاطون في كتاب «السياسة»، أن يكون جيد الفهم والتصور للشيء، حفوظا وصبورا على الكد، محبا للصدق وأهله، والعدل وأهله، غير جموح ولا لجوج في أهوائه، غير شره على المأكول والمشروب، وتهون عليه الشهوات والدرهم والدينار، كبير النفس عما يشين عند الناس، وربما سهل الانقياد للخير والعدل، وعسر الانقياد للشر والجور، قوي العزيمة على الشيء الصواب، ربي على نواميس وعادات ما فطر عليه، صحيح الاعتقاد لآراء الملة التي نشأ عليها، متمسكا بالأفعال الفاضلة التي في ملته، غير مخل بكلها أو معظمها، متمسكا بالفضائل غير المنحلة بالأفعال الجميلة، وإلا كان فيلسوف زور وبهرج وباطل.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الثاني التحول): (١) · الصفحة ١٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الثاني التحول): (١)ص ١٩