15
وليس كما هو الحال في عصرنا، الغرب المعلم ونحن التلميذ. وقد أثرت الأطراف القديمة شرقا وغربا في المركز وصبت فيه، أثر الهند وفارس والروم في العرب والمسلمين وليس كما هو الوضع حاليا أثر المركز الغربي الأوربي الأمريكي في الأطراف، إفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية. كما يلاحظ الحديث عن العرب كآخر وليس كأنا كما يفعل بعض المفكرين العرب المعاصرين من أصل غير عربي بعد أن تعربوا وكأن هناك تمييزا بين العرب العاربة والعرب المستعربة. كما لم يذكر المسلمون المحدثون من الأمم الأربع وكأن الإسلام حضارة العرب الحديثة وليس حضارة كل الشعوب الإسلامية، عربية أو غير عربية.
كما يتفق التحليل الكمي مع التحليل الكيفي في أولوية العرب والمسلمين المحدثين على فارس والروم والهند. العرب الأكثر كما والهند الأقل.
16
فالوسط بمرحلتيه، العرب والمسلمون، أكثر من نصف الحكمة الخالدة. وقد تكون أولوية العرب على المسلمين المحدثين كما إسقاطا من شعوبية الفرس سلبا إن لم يكن ترتيبا زمانيا. وربما كان السبب في قلة ثقافة الهند قلة الترجمة عنها. ربما لم تكن ثقافة منافسة للعرب قدر منافسة الفرس، وربما لانتشار الإسلام بها مؤخرا بعد فارس أو لأنها لم تكن قوة سياسية مثل قوة الموالي من فارس، يؤسسون الدولة مثل العباسيين إلا متأخرا في دولة المغول.
ويبرر مسكويه ترتيبه والبدء بحكمة فارس نظرا؛ لأنها في الزمان وإن «جاويذان خرد» أول الكتب ثم تتلوه آداب الأمم الأخرى؛ فالمقياس زماني تاريخي.
17
ولم يذكر مسكويه كل حكم هذه الشعوب بل اكتفى بالكليات دون الجزئيات وبالأنساق العامة. كما تتفاوت الحكم فيما بينها طولا وقصرا بحيث لا تزيد أحيانا عن بضعة أسطر. (ب) الوافد والموروث
ويصعب تحليل المضمون لنصوص الحكمة الشعبية نظرا لكثرتها ولتشعبها ولضمها أدباء وشعراء وصوفية ورواة وصحابة وتابعين وأمراء وسلاطين وعلماء وأنبياء ومتكلمين وفقهاء وظرفاء ومشاهير وخلفاء من الشرق والغرب. ومع ذلك يمكن حصر حوالي 155 علما لا يمثل الوافد اليوناني أكثر من 14 والشرقي 10 مع أنها حكمة الشرق، ويمثل الواقع العربي الإسلامي حوالي 131 علما مما يدل على أولوية الدائرة الحضارية العربية الإسلامية على الدوائر الحضارية الشرقية والغربية، ولبعض هذه الأعلام أقوال مذكورة والبعض الآخر ليست له أقوال لوجودها في الثقافة الشعبية بإيحاءاتها ودلالتها دون ما حاجة إلى اقتباس. أصبحت هي الفكرة دون ما حاجة إلى دليل عليها. وقد يكون للبعض منها أكثر من قول؛ ومن ثم يتضاعف تردده، وقد يكون للبعض أكثر من كنية مثل أفلوطين والشيخ اليوناني، والمسيح عيسى. وفي هذه الحالة تبقى كل كنية على حدة لأنها تدل على تصور مستقل بالرغم من وحدة الشخص. وأحيانا يذكر القول دون صاحبه ويبينه الناشر دون الاكتفاء بالنص زيادة في العلم والتعالم.
ومن الوافد الغربي اليوناني يأتي الإسكندر الأكبر في المقدمة ثم سقراط لارتباطهما بالحكمة الشعبية ثم أرسطو في المرتبة الثالثة، ثم أفلاطون ثم أوميروس وأيروقليس، ثم فيثاغورس وجالينوس وقابس والشيخ اليوناني، ثم أفلوطين وبطليموس وهرمس، لا فرق بين الرياضي والطبيب والفيلسوف الإشراقي والفلكي والحكيم الإلهي، بين الإنسان والإله، بين الواقع والأسطورة، بين الشعر والحكمة.
18
ومن الوافد الشرقي فارس والهند يأتي ذوبان في المقدمة الذي يعادل الإسكندر من حيث الكم ثم أوستهنج ثم برزجمهر وكسرى أنوشروان ثم أورباذ، كيخوز، بهمن، ثم حجشيد، خرشيد، كسرى قباد.
19
والصعوبة في تتبع الوافد والموروث في الحكمة الخالدة أنهما متجاوران وليسا متداخلين، حكمة وراء الأخرى، فارس ثم الهند ثم العرب ثم الروم ثم الإسلاميين المحدثين، مجرد تجميع وعرض ورواية دون تأليف. ومن ثم يغيب التداخل بين الوافد شرقا أو غربا وبين الموروث، ومن ثم غياب آليات الإبداع.