تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

هل هي مناطق جغرافية؟ الشرق والغرب والوسط؟ وماذا عن الشمال والجنوب؟ هل يدخلان في الشرق والغرب باعتبار أن شبه الجزيرة العربية جنوب غرب فارس والهند، واليونان شمال غرب بلاد العرب؟ وماذا عن مصر والصين وبلاد ما بين النهرين والعراق وفلسطين وبلاد الشام. ربما دخلت مصر ضمن الإسلاميين المحدثين، وربما العراق والشام، وربما لأن الصين لم تصل أخبارها لمسكويه. ألا توجد دوائر حضارية أخرى في أواسط آسيا أو في جنوبها في الملايو وإندونيسيا والفلبين وقد دخلها الإسلام مبكرا أم أنها تدخل ضمن الإسلاميين المحدثين أي حضارة الإسلام المترامية الأطراف؟ وماذا عن الدائرة الإفريقية التي كانت على اتصال بشبه الجزيرة العربية عبر القرن الإفريقي أم أن الإسلام الإفريقي لم يكن قد أنتج حضارته في هذا الوقت مبكرا؟ وهل الرومان مجرد امتداد لليونان دون أن يكون لهم حضارة مستقلة أم أن اليونان تشمل الرومان بطريقة التغليب أم أن اليونان والرومان لفظان لحضارة واحدة؟ وماذا عن حضارة بني إسرائيل التي يذكرها صاعد في نفس الفترة أم أنها جزء من الحضارة الإسلامية في تاريخها الطويل عبر اليهودية والنصرانية؟

وربما يكون المقياس تاريخيا وليس جغرافيا، الحضارات القديمة أو لا في الشرق، الهند وفارس ثم الحضارات الحديثة بعد ذلك في الغرب، الروم ثم الحضارة الأحدث، العربية الإسلامية قبل الإسلام وبعده. وعلى هذا النحو تنتقل الحضارة من الشرق إلى الغرب ثم يرثها الوسط أي العرب والمسلمون المحدثون بين الشرق والغرب. ولماذا يبدأ المسار من فارس قبل الهند وحضارة الهند أسبق؟ هل لأن مسكويه فارسي الأصل فانتقلت الحضارة من فارس إلى الهند شرقا ومن فارس إلى العرب والروم غربا، ففارس مركز الحضارات القديمة؟ هل انتقلت حضارة فارس إلى الهند، الزرادشتية والمجوسية والمانوية أم أن الهند هي منشأ ديانات الشرق الهندوكية والبوذية؟ وهل انتقلت حضارات فارس والهند إلى بلاد العرب قبل الإسلام بدليل وجود الألفاظ الفارسية في القرآن بعد أن تم تعريبها؟ وهل انتقلت حضارة العرب إلى بلاد الروم، أثينا السوداء، المصادر الإفريقية الآسيوية للحضارة اليونانية، ثم عادت الحضارة من بلاد الروم إلى المسلمين المحدثين؟ وعلى هذا النحو يكون مسار الحضارة من الشرق إلى الغرب وإلى الشرق تعود، من فارس والهند والعرب إلى الروم ثم إلى المسلمين المحدثين لو كان العرب والمسلمون جزءا من الشرق، ولو كانوا جزءا من الوسط مع جناحي الشرق والغرب فإن مسار الحضارة يكون من الشرق إلى الوسط ومن الوسط إلى الغرب، ثم من الغرب إلى الوسط. فالعرب هم الوسط الأول والمسلمون والمحدثون الوسط الثاني. الوسط هو الممر من الشرق إلى الغرب، ومن الغرب إلى الشرق مرتان، مرة عند العرب ومرة عند المسلمين المحدثين. الوسط في تلك الحالة هو شبه الجزيرة العربية، المركز وجناحاه الشرقي والغربي هما الأطراف.

ومن تحليل الدلالة الكيفية يبدو الإسلام جزءا من تطور حضاري عام، آخر حلقة من حلقات التطور البشري وليس جزيرة منعزلة أو فترة واحدة في التاريخ. لم تسبقها ولم تتلها فترات أخرى. الإسلام نهاية المسار الحضاري الذي استطاع تمثل كل الثقافات فانصهرت فيها ثقافات الشرق والغرب والجاهلية ومراحل الوحي السابقة اليهودية والنصرانية. وقد حضر الوافد الشرقي، فارس والهند أكثر من حضور الوافد الغربي، الروم، على عكس الموقف الحضاري الآن، حضور الوافد الغربي، الأوربي الأمريكي أكثر من الوافد الشرقي، إيران والهند والصين واليابان والملايو وإندونيسيا وأواسط آسيا وباقي دول الشرق. الغرب يسأل والشرق يجيب، الغرب المريد والشرق الشيخ حتى «المسائل الصقلية» لابن سبعين عندما سأل فردريك الثاني وأجاب ابن سيعين.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الثاني التحول): (١) · الصفحة ١٦٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الثاني التحول): (١)ص ١٦٥