تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ويمكن إدراك الصلة بين «تهذيب الأخلاق» و«الحكمة الخالدة» في أن الأول تحليل للأخلاق الفردية، الوعي الفردي، في حين أن الثانية تحليل الأخلاق الشعوب، الوعي الجمعي، واتسم كلاهما بطابع صوفي عام، «تهذيب الأخلاق» بمعنى الفضائل الفردية وحدها فإن الحكمة الخالدة تتعرض للأخلاق الجماعية، وتضم الدين والسياسة والاجتماع، الدين والسلطة والجنس، المقدسات الثلاثة في الثقافة الشعبية. ويشمل الدين الصلة بين الله والعالم، بين الدنيا والآخرة، بين مصير الإنسان والقضاء والقدر. وتشمل السياسة الصلة بين الملوك والعامة، بين الحكام والوزراء في إطار من الطاعة والولاء، طاعة الشعوب للحكام والولاء للسلطان دون الثورة على الحاكم الظالم أو الخروج عليه. كما تتعرض الحكمة الخالدة إلى نهضة الأمم وانهيارها في التاريخ دون أن يكون ذلك علامة خاصة على انحلال الشرق أو «الاستبداد الشرقي».

وأحيانا أخرى لا يعني سحر الكلمة أي عزاء عن الواقع والاستبداد، بل قد تعني أيضا سهاما موجهة نحو الحكام من المضطهدين والمعذبين. لذلك كثرت النصائح للملوك والحكام. لقد نشأت الأمثال والحكم من أتون الحياة والسياسية والاجتماعية تعبيرا عن رغبات الحكام وتبريرا لحكمهم أو عطفا على البؤساء ورغبات المحكومين، رضاهم أو ثورتهم. قد يتوجه المثل إلى الصغار والمقصود منه الكبار، «إياك أعنى واسمعي يا جارة». وقد تدل على نفاق الحكام كأحد وسائل التكيف مع الحياة طبقا لغريزة حب البقاء كما قال الفريسيون «طأ بقدمك ودعني أعيش «في مقابل» تجوع الحرة ولا تأكل بثدييها»، وكما بين ابن المقفع في «يتيمة السلطان»، والفارابي في «السياسة المدنية» على نحو نظري في مقابل أبي العلاء المعري على نحو شعري. التياران موجودان إذن في حكمة الشعوب، تيار الرضا والاستكانة، وتيار الإباء والرفض.

11

ففي الأمثال تواكل وخداع وعجز ورضا وقبول وطاعة ونفاق ومداهنة، وفيها أيضا ثورة وغضب وتمرد وكل ما هو إيجابي كما هو الحال عند كل الشعوب. فالأمثال تعبر عن الأوضاع الاجتماعية المتباينة وتعبر عن كل الطبقات.

وقد استمر هذا النوع من التأليف في التراث الإسلامي منذ «فصوص الحكم» للفارابي وابن عربي وابن عطاء الله السكندري. بل إن الأحاديث النبوية وربما بعض آيات القرآن الكريم واصلت هذا النوع الأدبي استئنافا لأمثال العرب وتحديا بالإعجاز.

12

ولم يكن هو النوع الأدبي الوحيد الذي استعمله مسكويه. فقد جمع بين الحكم والأمثال والطب والتاريخ والغالب عليه مؤلفاته في الأخلاق. فهو فيلسوف الأخلاق بلا منازع.

13

وليست الأخلاق معيارية، فقط بل هي أيضا وصفية تقريرية تجعل الأخلاق علما للعادات. كما ترتبط الأخلاق بالنفس والتربية. ويظهر الجمع بين الفلسفة والأدب مثل أبي حيان في نوع الحكم والأمثال والسير والأشعار مما يتجاوز الأسلوب المجرد والتحليل الصوري متحدا مع الأسلوب الفقهي في السؤال والجواب، والتاريخ في تجارب الأمم وليس مجرد وثائق روايات وأخبار، ويدل وضع العنوان المعرب مع العنوان المترجم على مدى حضور الشرق في موازاة مع الغرب. فالتأليف في الوافدين. ربما غلب العرض على الوافد الشرقي للتعريف به كما غلب التأليف على الوافد الغربي تجاوزا للعرض عند الكندي والفارابي. كما يظهر التراكم الفلسفي للموروث في الإجابة على سؤال علي بن عمر أبي حيان الصوفي في حقيقة العمل. وتتنوع مؤلفات مسكويه بين العرض (جاويدان خرد)، والتأليف (معظم المؤلفات) والإبداع (الرسائل).

14 (2) ثقافات الشعوب (أ) الدوائر الحضارية الخمس

ويذكر مسكويه خمس دوائر حضارية: فارس، والهند، والعرب، والروم، والإسلاميين المحدثين. اثنان من الشرق، فارس والهند، وواحدة في الغرب، الروم أي اليونان، واثنتان في الوسط العرب والمسلمون كطائر بجناحين. ويعني بالعرب قبل الإسلام وبالإسلاميين المحدثين بعد الإسلام، وهما دائرتان حضاريتان متداخلتان أو دائرة حضارية واحدة في زمنين متتاليين قبل الإسلام وبعده. فما هو مقياس هذا التصنيف؟

من النقل إلى الإبداع (المجلد الثاني التحول): (١) · الصفحة ١٦٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الثاني التحول): (١)ص ١٦٤