5
ولا يهم قائليها، فلا فرق بين التاريخ والانتحال، بين النقل والانتحال، بين الواقع والخيال. لا يحط من شأنها أنها منحولة، فالانتحال قمة الإبداع الحضاري.
وقد استمد مسكويه في حداثته معلوماته عن فارس من الجاحظ، وعرف الوافد من خلال الموروث وليس من خلال المراكز الأجنبية كما هو الحال في عصرنا. كان الجاحظ نموذج المثقف الأديب، المتفتح المستنير على حضارات الغير، مفكر في السياسة والتاريخ قدر إبداعاته في الكلام والفلسفة والأدب والعلم.
6
لقد أعجب الجاحظ بحكمة الشعوب. وأشاد، وهو الناقد، بكتاب «جاويد خرد» في كتابه «استطالة الفهم» الذي يدل عنوانه على الانفتاح على حضارة الغير وبلغة العصر «اتساع الأفق». بحث مسكويه عن الكتاب حتى وجده في فارس. ثم وجد نظائر له عند باقي الشعوب، الهند والعرب والروم. فلم يتعصب لفارس، وجمعها كلها في حكمة واحدة هي «الحكمة الخالدة»، ومع ذلك يظل للفرس السبق الزماني في التاريخ فإن كتاب «جاويد خرد» أقدم الكتب المعروفة عند القدماء قبل الغرب اليوناني بعيد الطوفان والغاية تعليم الأحداث، وتذكير العلماء، وتهذيب النفس في الحاضر والمستقبل، والأجر والثواب من الله. فبالرغم من شخصية مسكويه الدنيوية كما رسمها التوحيدي وابن سينا إلا أنه يؤلف باعثا دينيا، طلب الأجر والثواب من الله، وليس بباعث دنيوي من مال أو سلطان.
7
والعجيب أن يكون واضع علم الأخلاق النظري في تهذيب الأخلاق لا أخلاقيا في سلوكه، النظر في جانب والعمل في جانب آخر.
وكما اكتشف الموروث عظمة الوافد ولم يفرض الوافد نفسه على الموروث من أجل حصار الوافد داخل الموروث حتى لا يظل الوافد بؤرة جذب فيقسم الثقافة إلى قسمين متصارعين كما هو الحال في ازدواجية الثقافة في عصرنا اعتمد الموروث على الموروث. فأخذ الجاحظ من الحسن بن سهل أخي الرياستين الفضل بن سهل والذي قام بترجمة جاويذان خرد إلى العربية فقرأه الجاحظ ثم مسكويه. الموروث يعرض الوافد ويعلم نهايته بعد أن تحول إلى ثقافة شعبية مكتوبة بلغة عربية سليمة. الموروث مصدر الرواية للوافد، الجاحظ عن الفضل بن سهل عن الواقدي.
8
وبعض الأمثال في الحكمة الخالدة في كتب الجاحظ مثل «التاج والمحاسن» و«الأضداد» المنحولين. فالانتحال في الموروث وليس فقط في الوافد، ضرورة حضارية في التحول من النقل إلى الإبداع.
ويحيل مسكويه في «الحكمة الخالدة» إلى «تهذيب الأخلاق» كتابه الشهير مما يدل على أن له مشروعا كليا واحدا. «الحكمة الخالدة» عرض حكمة الشعوب و«تهذيب الأخلاق» تأليف. الأولى أقرب إلى النقل أو التحول من النقل إلى الإبداع بينما الثاني أقرب إلى الإبداع. الأولى تفصيلات جزئية عن حكم الشعوب أو عرض موضوعي لها، والثاني ضمها إلى أصول كلية. وقد يوحي ذلك ببعض الترتيب الزماني، أسبقية الأولى على الثاني في حين أن «تهذيب الأخلاق» سابق على «الحكمة الخالدة» وكأن الإبداع يكون قبل النقل أحيانا.
9
وفي نفس الوقت الحكمة الخالدة استقراء للكليات من الجزئيات، والأصول من الفروع من أجل نفع الناس فيشاركون حكمة الخاصة، وإرجاعها إلى مصادرها في حكمة الشعوب، ليس فقط في العقل بل أيضا في الطبيعة. قد تتكرر المعاني والألفاظ والمقاصد؛ وذلك لاتفاق عقول الأمم كلها على حكمة واحدة لا تختلف باختلاف الزمان والمكان، وهي الحكمة الخالدة. الغرض منها إنزال الحكمة إلى الجمهور، ونقلها من الخاصة إلى العامة في صيغة أمثال يمكن استيعابها ونقلها جيلا وراء جيل واستعمالها قواعد للسلوك.
10
الغاية من هذه الأمثال ليس البحث النظري المجرد بل الحث على الفضيلة، ووضع معايير للسلوك. وبالرغم من تعدد كلمة الشعوب إلا أن الغاية منها واحدة، تعليم الأحداث والمبتدئين علوم الحكمة. فالغاية تعليمية تهذيبية للنشء. وهي في مجموعها أقرب إلى حكمة الشعوب والثقافة الجماهيرية، المادة الخام التي تحتاج إلى صقل وإعادة بناء، تراث في حاجة إلى تجديد. لذلك كانت أقرب إلى الأدب منها إلى الفلسفة وإلى الحكم والمواعظ والأمثال منها إلى التحليلات المنطقية للمفاهيم. وطريقة فهمها ليس في منطقها الصوري بل في تحويلها إلى تجارب حية مباشرة. كما يفعل الصوفية مع آيات القرآن، وأن يتمثلها القارئ أو السامع في نفسه وأن يحياها في أفعاله وأن ينفعل بها في كيانه، وأن يحيلها إلى تجربة شخصية وكأنها مواعظ استخرجها لنفسه بنفسه عن نفسه أو حكم قبلت في شأنه واستنبطت من حاله. ليست صيغا نهائية أو نواميس ثابتة للسلوك، بل هي أقرب إلى البواعث والدوافع على السلوك، تحتوي على عنصر تطورها وتجددها في ذاتها بتجدد الحياة وتطورها.