تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

162

| ثانيا: الحكمة الشعبية (مسكويه)

(1) الوافد الشرقي

إذا كانت الفلسفة الأدبية من إبداع الأفراد فإن حكمة الشعوب من وضع الشعوب كما هو الحال في الآداب الشعبية حتى لو رواها أو جمعها أفراد والتي يمتزج فيها الواقع بالخيال. ولما كانت «الحكمة الخالدة» تعبر عن الثقافة الشعبية فقد برز أبطالها حكاما ومحكومين كعناصر مكونة فيها مثل المأمون وما عرف عن حلمه الذي ظهر له أرسطو فيه طالبا منه نقل كتب أرسطو إلى العربية مما دفعه إلى تأسيس ديوان الحكمة ووضع حنين بن إسحاق على رأسه.

1

وهي قصة خيالية بها كل عناصر التشويق الشعبي، بطلها الخليفة المأمون محب الحكمة مثل الإسكندر الملك الفيلسوف.

2

ولما كان الخضر يعرف الأسرار كما هي صورته في القرآن قرأها الخضر بن علي الذي يعرف الفارسية أو الفهلوية في نصف نهار ثم أملى الثالث في ترجمة فورية حسنة بليغة بلا قواميس أو تعثر في مصطلحات. والحكمة البالغة جزء من العلوم الباطنية، المضمون به على غير أهله، لا يمكن إخراجها إلى من هو غير أهل لها، وهو أفضل كتب العجم كما أن القرآن أفضل كتب العرب، ومؤلفات أرسطو أفضل كتب اليونان. قرأه المأمون حتى كاد أن ينسى الصلاة، فالعلم أشد جذبا للإنسان من العبادة. وقام إلى صلاته وهو يخشى السهو لانشغال قلبه بالحكمة الخالدة. إلى هذا الحد بلغ تعظيم الحكمة البشرية الموازية للحكمة الإلهية وليس الحكمة التي تتشوق بها الأفواه. حكم الوافد أحيانا خير من ترهات الموروث. الملك الفيلسوف كالقاضي الحصيف يحكم بالعدل حتى على أهله، وعدو عاقل خير من صديق جاهل. لقد تم نقل الوافد الشرقي في نفس الوقت الذي تم فيه نقل الوافد الغربي، حلم المأمون أي حاجة الواقع. فالشرق ليس أقل فضلا من الغرب.

مسكويه إذن مجرد جامع وعارض ومنسق، في تأليف غير مباشر يجعل الآخر لسان حال الأنا كما يتعامل بعض المفكرين المعاصرين مع التراث الغربي.

3

لذلك كثرت المادة أو تشعبت وصعب احتواؤها وتحليلها أو إيجاد نسق لها. ومع ذلك جاءت الترجمة العربية رصينة بأسلوب بليغ مؤثر في النفس وكأنها مؤلفة وليست مترجمة.

4

ويبدو أن الاتفاق في المضمون وفي التجارب الحية بين الشعوب جعل الترجمة وكأنها نابعة من المترجم بما له من رصيد مشترك فأصبحت تأليفا ثانيا. ليس أنصار حكمة الشعوب إذن مجرد مواطنين برجوازيين طيبين دون أن يكونوا روادا بارزين. فوظيفة العارض لا تقل أهمية عن المؤلف والمبدع. فلولا التمثل لما كان الإبداع.

وكان يمكن أن تضم حكمة الشعوب إلى تاريخ التدوين ولكن الغاية لم تكن التدوين والتاريخ أي تصنيف العلوم بل جمع الحكمة الشعبية دون نسق منطقي أو شعبي. فهي أقرب إلى التدوين الشعبي منها إلى التدوين العلمي. لم تكن الغاية التاريخ مثل «الفهرست»، بل الترويج لحكمة خالدة تتفق عليها الشعوب جميعا غربا وشرقا ووسطا، يونان وفرس وعربا.

لم يقتصر الوافد إذن على اليونان والرومان غربا، بل ضم أيضا الوافد شرقا، فارس والهند. بل ظهر حكماء مثل ابن سينا يخصون الشرق بالحكمة في «الحكمة المشرقية»، وبالمنطق في «منطق المشرقيين». ومسكويه يتعامل مع الوافد الشرقي في فارس قدر تعامله مع الوافد الغربي عند اليونان. كما تعامل البيروني مع الوافد الشرقي في الهند قدر تعامله مع الوافد الغربي عند اليونان. كان الوافدان الغربي والشرقي متعادلين في الحكمة القديمة، ثم فقد هذا التعادل في ثقافتنا المعاصرة لحساب الوافد الغربي نظرا للاستعمار الحديث على مدى قرنين من الزمان. فقوى الجناح الغربي على حساب الجناح الشرقي. وكلما نهض الطائر اتجه نحو الجناح الأقوى، مما سبب رد فعل لدى الحركات السلفية المعاصرة في عدائها للغرب. ومن ثم تصبح «ريح الشرق» ضرورة لإيجاد التوازن بين الجناحين. فإذا ما نهض الطائر اعتمد على نفسه كميزان الثقل بين الغرب والشرق. «الحكمة الخالدة» لمسكويه نموذج لعرض حكمة فارس تجاوزا للترجمة والتعليق والشرح والتلخيص والانتحال.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الثاني التحول): (١) · الصفحة ١٦٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الثاني التحول): (١)ص ١٦٢