157
كما تعبر المقابسة عن الحالة النفسية للمؤلف وعن رؤيته المتشائمة للعالم. فهي تصور حال عصر بأكمله ساده النفاق والشراء بالمال. كتابة أبي حيان تشهد على العصر والتاريخ، للعصر لا للمال. يخطئه الناس إذا أصاب، ويصوبوه إذا أخطأ. ونظرا لصدق التصوير الأحوال الناس فقد عاداه البعض تحت ذريعة ضرورة التستر على العيوب مما يخرج على أدبيات الحوار. والتأويل أفضل لإقالة الناس عثراتهم تعتمد بعض الحكايات على التجارب الشخصية، صداقة أو رياسة. وقد لا تذكر أسماء الإعلام على عكس «الإمتاع والمؤانسة». فما يهم هو الفكرة لا الشخص. وتكشف عن بعض التجارب الإنسانية وتصف ماهياتها.
158
كما تعتمد المقابسات على الشعر والأمثال العربية لمزيد من الإيحاء والإيصال. فلم يكن الوافد إلا أحد المصادر بالرغم من أن الفكرة واضحة بذاتها ولا تحتاج إلى أمثلة، ولكن النقل عنصر في الإبداع وبدايته. والشعر طبيعة العرب وعلمهم. وأكثره في رسالة «الحنين إلى الأوطان» نظرا لما يهيجه الشعر في النفوس.
159
وكل مقابسة لها موضوع واحد إلا نادرا، وأحيانا تتضمن الليلة الواحدة أكثر من موضوع أو يمتد الموضوع على أكثر من ليلة، فيتقطع الموضوع.
160
ويظهر التأليف في آخر الليلة وليس في أولها بعد الإعداد المسرحي وعناصر التشويق الأولى. وكل آخر ليلة يرتبط بأول الليلة التالية مثل خيط العقد في كتابة فن الليالي، وأحيانا تكون المقابسة مجرد كلمات متفرقة لا تنسب إلى شيخ واحد لأنها أصبحت مشهورة غير مشخصة مثل الأمثال العامية والأقوال الشعبية والسير التي أصبحت مجهولة المؤلف. الشرف في جمعه، والفائدة لمتلقيه. ورب سامع أوعى من مبلغ. والحق مبين منهاجه، ومنير سراجه، ومعقول بيانه، ومعلوم برهانه.
161
كل مقابسة لها وحدتها الذاتية، وجميع المقابسات وحدة أكبر، يؤيد بعضها بعضا نحو الهدف الأعظم وهو نيل الأبدية. وقد تنتهي بشكوى الزمان من الحساد والشامتين منتقلا من مقابسة إلى أخرى واصفا حال الكاتب. ينقسم الكلام إلى موضوعات مستقلة كلها مشروطة بطهارة النفس، ومكتوبة بحساسية مرهفة خوفا من عثرة اللسان ونزوة القلم وإيثار الحيطة من الراوي والمفسر من الوقوع في الاشتباه. وقد تمتد المقابسة على أكثر من ليلة. فالموضوع ما زال حيا حتى يعود آخر الكلام على أوله مما يتطلب حضور البديهة وحسن المزاج وصفاء النفس، وتوفر الوقت، وخلو البال.
وتعني المقابسة الانتقال من المثل إلى الممثول ، ومن النقل إلى الإبداع، ومن الوافد إلى الموروث، وتكرار الفكرة في تطبيقات متعددة كنوع من القياس الفلسفي. يمثل النقل الانفتاح على الآخر بعد فتح الأرض، شعوبا وثقافات ثم إدخال الأجزاء المتناثرة داخل الكل الواحد، والقيام بعملية الإكمال الحضاري ووضع التاريخ داخل البنية من أجل خلق وحدة الثقافة، لا فرق بين ماض وحاضر، بين أوائل وأواخر. يمكن التمييز في التنقل بين موضوعات إبداعية خالصة لا نقل فيها مثل الصلة بين الحكمة والشريعة، وموضوعات إبداعية تبدأ من النقل بطريق غير مباشر مثل النقل عن ابن سيرين، وموضوعات إبداعية تقوم على النقل كنقطة بداية فقط.
ولأبي حيان فواصله بين إبداع وآخر، وملاحظاته حول صعوبة الأسلوب، وعمق الفكر، والتعبير عن الحال النفسي، وإبراز الدرس المستفاد، ومخاطبة القارئ والدعوة له. فالغاية من المقابسة إثارة النفس وإيقاظ الوعي مستعملا مصطلحات الصوفية ومؤثرا مناهجهم الذوقية. ومخاطبة القارئ للوصول إلى الغاية، والوصول عسير، والعائق عظيم، والسير وشيك، ولولا لطف الله لتمسك اليأس من القلوب القارئ هو الطرف الآخر للمؤلف، والفكر حوار بين طرفين بل ومشروع مشترك. وتتحول مخاطبة القارئ في «المقابسات» إلى لازمة دائمة؛ لأن الغاية منها توجيه القارئ ونصحه وهدايته. بل وتوحي المقابسة بالإيماءة والإشارة من أجل ربط الفكر بالشخص. وتتحول إلى حديث للنفس يتوجه نحو الآخر في دعوات وابتهالات، فتتحول الفلسفة إلى دين، والأدب إلى تصوف، ويجتمع كل الناس على نفس الهدف. ويتحول الخطاب من حوار بين المتكلم والمخاطب إلى حديث بضمير المتكلم الجمع. وتأتي مخاطبة القارئ في الفواصل وليس بالضرورة في أول الخطاب كما هو الحال عند إخوان الصفا.