تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

153

ولا تهم الأماكن والأشخاص. فأحيانا يذكر المكان دون الشخص، وأحيانا الشخص دون المكان، وأحيانا يذكر كلاهما، وأحيانا أخرى يسقطان. ويمكن ضم هذه الأنواع كلها تحت نوع واحد هو «المقابسة» أي الحكاية الفلسفية التي تجمع بين الفلسفة والأدب والدين في أسلوب سهل سائغ بها عنصر التشويق، يفهمها كل الناس، ولا تخلو من مدح أو ذم وتهكم وسخرية. فإذا ما طالت خرجت عن هذا القالب ولم تعد حساما قاطعا. المقابسات كالطلقات السريعة في المعارك الفكرية تتمثل فيها فنون القول. قد لا تطابق حدثا تاريخيا وتكون من نسج الخيال أو جمعا بين الواقع والخيال. لا يكاد يرفضها السامع لأنها تعبر عن حالته الشخصية وموقفه النفسي، ولما كان الدين والأدب موروثين والفلسفة وافدا تحول إلى موروث إلا أن المقابسة تعبر عن فكرة واحدة ذات طابع عملي تربوي. وتبدأ المقابسة بالدعوات كما تنتهي بها ثم بشكوى الزمان بعد الاستهلال، وفي نفس الوقت مدح السلطان. وبعد ذكر المسألة ينوه بالدرس المستفاد منها والتعليق عليه. تبدأ المقابسة بالتجربة الحية والواقعة الجزئية؛ فالسؤال عياني، وفي الغالب مستمد من حياة أبي سليمان وخروجه يوما من بغداد إلى الصحراء مع تحديد الأشخاص في الزمان والمكان. وفي خاتمة المقابسة يذكر أبو حيان عناصر فنها، وكيفية جمعها، ويعتذر عن قصورها وعن مدح الإخوان وذم الأهواء دون أن يكون في ذلك كشف لعيوب الأعداء أو إظهار الشمائل الأصدقاء.

154

ليس الهدف فقط تسلية النفس، وتفريغ الكرب، وشحذ الهمة، بل أيضا الدرس الأخلاقي، وتأييد العقل، وإصلاح السيرة، وتعود الحسنة، ومجانية السيئة وراء الألفاظ والجمل. المقابسة حدث طريف أي نكتة ولكن لها دلالتها، وضوح الفكر وجمال الأسلوب من إبداع أبي حيان وليس من المادة المروية. فالفكر صياغة المقابسة إبداع يجمع بين الوافد والموروث والعصر. ما زالت ناقصة، ويمكن تحسينها. لذلك يعتذر أبو حيان عما بها من قصور. ربما كتبها في آخر حياته بعد أن أختار التصوف طريقا له كالغزالي، وهروبا من تشاؤمه وفشله في الحصول على مغانم الدنيا. وبالرغم من قصر المقابسات إلا أن ضم بعضها البعض جعلها كبيرة الحجم. مسائلها صغيرة، وأسلوبها سهل عادي مما يجعل إفادتها لأكبر قدر ممكن من الناس ممكنا. تتميز بالإيجاز بالرغم من الرغبة في الاستطالة في عرض مسائل شعبية تخيلية وليست موضوعات يقينية للخاصة. والاختصار يقطع الطريق على الشغب والجدال. والتأمل في النفس يستغني عن الإطالة التي قد تصدر عن المعنى، وتمنع من تحقيق المراد. والكلام الزائد يفتح باب الشك واللبس حتى في الأمور الواضحة. والغموض أحيانا يثير المعنى ويشحذ الذهن، وينشط الهمة، ويجلي القصد.

155

لذلك تتفاوت المقابسات فيما بينها طولا وقصرا ولكنها إلى القصر أقرب مثل الومضات الفلسفية القصيرة.

156

وتستمد المقابسة مادتها من الأفكار المطروحة في المجالس الثقافية. وأبو حيان مجرد راو أو حافظ لها. يقتصر دوره على الصياغة والتقنية مع بعض الزيادة أو النقص. من أجل تعميم الفائدة الأكبر قدر ممكن من الناس. وقد تكون هذه الليالي مروية شفاها أو البعض منها يعتمد على مصادر مكتوبة طبقا للتراكم الفلسفي عبر الزمان، البعض معروف مثل السجستاني والعامري، وأحيانا تكون الرواية بلا زيادة تسهيلا وإيضاحا وتجنبا للمزالق وإيثارا لما يتفق عليه العلماء. مادتها مناقشات الفلاسفة حول الفلسفة، الوافد، الإلهيات المحضة، ونقل مستواها من الإلهيات العقلية المجردة إلى الإنسانيات العملية العيانية بحيث لا يتغير المقصد والمغزى بل بقصد توضيح المعنى وجعله أكثر دلالة على العصر. المقابسة تصوير لحوادث العصر وبيان صحيح عنها في أسلوب أدبي يقوم على السخرية دون التضحية بالموضوع لصالح الأسلوب، والتاريخ لحساب الفن.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الثاني التحول): (١) · الصفحة ١٦٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الثاني التحول): (١)ص ١٦٠