تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لقد أعطت العلوم النظرية هذه الأشياء موجودة بالفعل، لا فرق بين العقل والوجود، بين عالم الأذهان وعالم الأعيان، فإذا حدث عدم تقابل بين الاثنين نشأت الحاجة إلى علم آخر غير العلم النظري. فالأشياء المعقولة من حيث هي كذلك خالصة عن الأحوال والأعراض وموجودة خارج النفس، واحدة بالعدد، لا تتبدل ولا تتغير في حين أن الواحدة بالنوع تتبدل وتحتاج إلى الأحوال والأعراض إذا كانت خارج النفس كما هو الحال في المعقولات الطبيعية الواحدة بالنوع وفي المعقولات الإرادية. كل ما يوجد بالإرادة لا يمكن أن يوجد أو يعلم إلا بالأعراض والأحوال المقترنة بها. وهي توجد واحدة بالعدد بل بالنوع أو الجنس. لذلك تتبدل عليها، تزداد وتنقص وتتركب طبقا لقوانين على مدة طويلة تتبدل وتتغير أيضا. وما لا تخضع لقانون فإنها تتبدل على نحو دائم في مدة قصيرة وعلى حسب ما يريد الفاعل. وربما لا يحصل منه شيء أصلا بسبب المتضادات العاشقة له، منها ما هو طبيعي ومنها ما هو إرادي عن إرادات آخرين وليس فقط طبقا لاختلاف الأزمنة والأمكنة مثل الأشياء الطبيعية، وهكذا الإنسان. فإنه في عالم الأعيان، ويتبدل طبقا للزمان والمكان في الأحوال والأعراض. والمعقول من ذلك كله معقول واحد. وكذلك الأشياء الإرادية مثل العفة واليسار لها معان معقولة إرادية تختلف باختلاف الزمان والمكان والأمم ساعة بساعة أو يوما بيوم أو شهرا بشهر أو سنة بسنة أو حقبة بحقبة أو أحقابا بأحقاب. فالتغير له إيقاع سريع وإيقاع بطيء تتطلب معرفة الأعراض والأحوال المتبدلة في عالم الأعيان المدة المعلومة قصيرة كانت أم طويلة. والمكان المحدد من المعمورة صغيرا كان أم كبيرا يشترك فيها إنسان واحد أو طائفة في مدينة أو مدينة أو أمة أو المعمورة كلها.

والفضيلة الفكرية المدنية يستنبط منها ما هو أنفع في غاية فاضلة مشتركة لأمم أو أمة أو مدينة منها. ما يبقى مدة طويلة ومنها ما يبقى مدة قصيرة. وما يستنبط لكل الأمم مدة طويلة هو الأقدر على وضع النواميس. وما يستنبط في مدة قصيرة هي أصناف التدبيرات الجزئية الزمنية عند الأمم أو الأمة أو المدينة. وما دون ذلك لطائفة في مدينة أو منزل في طائفة فإنها تكون فضيلة منزلية أو جهادية في مدة قصيرة أو طويلة. وقد تنقسم الفضيلة إلى أجزاء صغار، صناعة أو عرض حادث أو حرفة أو غاية خاصة أو لغيره فتكون مشورية. قد تجتمع في إنسان واحد وقد تفترق وكلما كانت هذه الفضائل الفكرية أكمل رياسة وأعظم قوة كانت الفضائل الخلقية المقترنة بها أشد رياسة وأعظم قوة كذلك.

والفضائل الخلقية ثالثا تقتصر على جزء المدينة إما في المجاهدة أي الحرب أو المال أي الاقتصاد أو في جزء آخر قبل أن تتحول إلى صناعات عملية الإنسان أو لمنزل مدة قصيرة أو طويلة. والفضيلة الكاملة هي أعظمها قوة أو مجموع الفضائل كلها عند الناس والمنازل والمدن والأمم جميعا وهي الفضيلة الرئيسية التي تتقدم على جميع الفضائل مثل فضيلة صاحب الجيش الذي تتوافر فيه القوة الفكرية التي يستنبط بها الأنفع والأجمل المشترك بين المجاهدين مثل الشجاعة والمشتركة بين مكتسبي الأموال، وكذلك تترتب الصناعات وفي مقدمتها الصناعة الرئيسية وهي أقواها. وتحت فضيلة قيادة الجيوش هناك فضائل وصناعات أخرى. كما أن دون فضيلة اكتساب الأموال هناك فضائل وصناعات خادمة لها، وما هو أنفع وأجمل وكذلك الغايات الفاضلة إما أن يكون في المشهور أو عند ملة أو في الحقيقة. ومن الواضح أن الفضيلة الرئيسية تكون تابعة للفضيلة النظرية للتمييز بين معقوليتها والأعراض المقترنة بها. كما أن الفضيلة الخلقية تكون تابعة للفضيلة الفكرية حتى يمكن استنباط الأدنى من الأعلى، والعملية من الخلقية، الخلقية من الفكرية، والفكرية من النظرية.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الثاني التحول): (١) · الصفحة ١٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الثاني التحول): (١)ص ١٦