تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أما الموجودات التي لها مبادئ أربعة فهي الموجودات الطبيعية التي لها مبادئ طبيعية التي لا تكون معقولة إلا في المواد. وتعتمد على بعض مبادئ علم التعاليم الصالحة في معرفة الموجودات الطبيعية مثل أجناس الأجسام المحسوسة مثل الأجسام السماوية والعناصر الأربعة، الأرض والماء والهواء والنار، وما شابهها من بخار وأجسام حجرية ومعدنية على سطح الأرض وفي باطنها ثم النبات والحيوان غير الناطق ومعرفة مبادئها القريبة والبعيدة. ومبادئ التعليم في الطبيعيات غير مبادئ الوجود على عكس الرياضيات، ويتم الانتقال فقط من الأولى إلى الثانية صعودا مع أن مبادئ التعليم متأخرة عن مبادئ الوجود؛ لأن مبادئ الوجود هي أسباب الموجودات والتعاليم في آن واحد. المبادئ القريبة كانت مبادئ التعاليم ثم الانتقال منها إلى مبادئ المبادئ إلى أقصى المبادئ صعودا أو إلى أقرب المبادئ نزولا.

ويتم النظر في الأجسام المحسوسة وأجناسها وأنواعها وفي الأجسام السماوية ومبادئ وجودهها حتى الوصول إلى مبادئ لا طبيعية تكشف عن موجودات أكمل وجودا من الطبيعة والأشياء الطبيعية. ليست أجساما ولا في أجسام مما يستدعي وجود علم آخر هو ما بعد الطبيعة وهو علم وسط بين الطبيعيات والرياضيات؛ فالطبيعيات وما بعد الطبيعة كلاهما يرد إلى الرياضيات. وواضح هنا غياب المنطق كعلم، ربما لأنه آلة لكل العلوم، كما أنه من الواضح ارتباط ما بعد الطبيعة بالطبيعة وكأنهما علم واحد؛ فعلم ما بعد الطبيعة هو علم الطبيعة مقلوبا إلى أعلى، وعلم الطبيعة هو علم ما بعد الطبيعة مقلوبا إلى أسفل. وقد ضم الفارابي العلم الطبيعي والعلم الإلهي في علم واحد في «إحصاء العلوم».

وبعد فحص مبادئ الوجود للحيوان يتم اكتشاف النفس ومعرفة المبادئ النفسانية والارتقاء منها إلى الحيوان الناطق. وإذا تم النظر في هذه المبادئ يتم اكتشاف العقل. مما يدعو إلى اكتشاف مبادئ غير جسمانية مثل التي عرفت من قبل في النظر إلى الأجسام السماوية. ثم يتم الانتقال من النفس والعقل ومبادئهما إلى الغايات والكمال الأقصى الذي لأجله كون الإنسان، والمبادئ الطبيعية في الإنسان وفي التعليم غير كافية لأن يصل الإنسان بها إلى الكمال، وأنه بحاجة إلى مبادئ نطقية عقلية لا هي التعاليم ولا هي ما بعد الطبيعة ولا هي الطبيعة. هي أيضا مبادئ الموجودات التي يسعى إليها الإنسان ليبلغ الكمال. ولما تفاوتت مراتب الكمال لا يستطيع الإنسان أن يبلغ أقصاها بمفرده فيحتاج إلى معاونة أناس كثيرين طبقا لفطرة الإنسان وحاجته إلى التعاون. لذلك يسمى الحيوان الإنسي والإنسان المدني مما يحتاج إلى نظر آخر وعلم آخر يفرض هذه المبادئ العقلية وأفعال الإنسان وملكاته التي يسعى بها نحو الكمال فيتأسس العلم الإنساني والعلم المدني.

ويبدأ العلم بالنظر في الموجودات مثل النظر في ما بعد الطبيعة وفي الطبيعة ويعتمد على مبادئ التعليم التي تتفق معه حتى الانتهاء إلى موجودات لا تكفيها هذه المبادئ وفي حاجة إلى مبدأ أول لجميع الموجودات وهو أكمل المبادئ وأتمها. ثم تتفاوت الموجودات صادرة منه على مراتب أقرب منه أو أبعد عنه. وهذا هو النظر الإلهي في الموجودات. فإن المبدأ الأول ليس جسما ولا في جسم. كل الطرق تؤدي إلى المبدأ الأول، في علم التعاليم إلى مبدأ العدد، ومن الطبيعيات إلى مبدأ الموجودات، ومن علم ما بعد الطبيعة إلى مبدأ المبادئ، ومن العلم الإنساني، النفس والعقل، والعلم المدني، التعاون الإنساني إلى مبدأ الكمال.

ثم يتم الفحص في العلم الإنساني والغرض الذي من أجله كون الإنسان وهو الكمال الذي يبلغه، ووسائل تحقيقه. وهي الميزات والفضائل والحسنات وما يبعد عنه مثل الشرور والنقائص والسيئات. وهذا هو العلم المدني الذي ينال به أهل المدن السعادة بمقدار فطرة كل فرد. فاجتماع المدنيين مثل اجتماع الأجسام، ولا فرق بين اجتماع المدن والأمم واجتماع العالم. وكما أن في العالم مبدأ واحدا ثم مبادئ أخرى تتلوه على الترتيب وموجودات من تلك المبادئ متراتبة أخرى من أعلى إلى أسفل، فكذلك الترتيب في الأمة أو المدينة، مبدأ أول تلوه مبادئ آخر. مدني أول يتلوه مدنيون آخرون. ويماثل آخر المبادئ النظرية آخر المدنيين في المدينة والإنسانية. كما يتقابل نظام الموجودات في العالم مع نظيره نظام المدنيين في المدينة أو الأمة. هذا هو الكمال النظري ويتضمن علم الأجناس الأربعة التي يتم بها تحصيل السعادة القصوى لأهل المدن والأمم ولنظام العالم. فهو علم واحد في الحقيقة العلم النظري وعلم الموجودات والعلم المدني، لا فرق بين العقل والطبيعة والمجتمع.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الثاني التحول): (١) · الصفحة ١٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الثاني التحول): (١)ص ١٥