والفضائل إما بالطبع أو بالإرادة. والفضائل الطبيعية أشبه بالملكات في الحيوانات غير الناطقة؛ كالشجاعة في الأسد. وقد يكون الأمر كذلك في الإنسان إلا أنها عنده أيضا إرادية. فالإنسان يسلك بالطبيعة وبالإرادة في الفضائل الخلقية العظمى مثل الملوك والخدم، كلاهما ملك أو خادم بالطبيعة والإرادة، وكذلك فضائل المدن والأمم، ويتم تحصيلها بطريقتين، التعليم والتأديب. التعليم لإيجاد الفضائل الفكرية والنظرية والتأديب لإيجاد الفضائل الخلقية والصناعات العملية. التعليم بالقبول والتحصيل، والتأديب بترويض العزائم وعشق الفضائل.
والعلوم النظرية إما أن يعلمها الأئمة والملوك وأما من يحفظونها ويعلمونها لغيرهم ابتداء من المقدمات الأول والمعلوم الأول في كل جنس من العلوم النظرية، ثم أصناف أحوال المقدمات وترتيبها بعد تقوية نفوس الأحداث وترويضهم طبقا لطبائعهم الإنسانية، ثم استعمال الطرق المنطقية. ويتعلمون من الصبي كما قال أفلاطون مع سائر الآداب حتى يبلغ أشده، ثم يعين الملوك منهم ابتداء من الرياسات الجزئية ارتقاء إلى الرياسات الكلية.
32
ولا يقتصر التعليم على ما توجبه الآراء المشتركة أي العادات والأعراف. ويمكن تعلم الأشياء النظرية بالطرق الإقناعية وطريق التخيل، وهي الأمور التي لا يعقلها الإنسان إلا بعد أن يعقل الكثير، وهي المبادئ القصوى والمبادئ غير الجسمانية التي لا تفهم العامة إلا مثالاتها، وتمكن في نفوسهم بطريق الإقناعات، وما تتميز فيه أمة عن أمة، ومدينة عن مدينة، وطائفة عن طائفة إلى أن يحصلوا على الفضائل النظرية.
ثم تأتي الفضائل أو الصناعات العملية رابعا مرتبطة بالفضائل الخلقية ثالثا عن طريق التعلم والتدريب؛ إذ يتعود الناس عليها بطريقتين؛ إحداهما الأقاويل الإقناعية والانفعالية التي تمكن في النفس هذه الأفعال والملكات حتى تنهض العزائم طوعا نحو أفعالها وما تعطيه هذه الملكات من قدرة على الصنائع المنطقية. والثاني طريق الإكراه مع المتمردين العاصين من أهل المدن والأمم الذين لا ينهضون إلى الصواب طوعا أو بالأقاويل أو من تعاصى منهم عن العلوم النظرية والقادر على فضيلة الملك أو صناعة استعمال الفضائل الجزئية يكون قادرا على تأديب أهل الفضائل والصنائع في الأمم. وأهل المدن طائفتان، من يتأدب طوعا أو من يتأدب كرها. والملك مؤدب الأمم ومعلمها مثل رب المنزل ومعلم الصبيان والأحداث إما بالرفق والإقناع أو بالكره والجبر. الماهية واحدة في أصناف الناس، إنما التفاضل في القلة والكثرة وعظم القوة وصغرها على تأديب الأمم على تأديب الصبيان والأحداث وأهل المنازل، وقوة المقومين والمؤدبين وهم الملوك، وقوة ما يستعمل للتأديب من المهن طوعا أو كرها، والقوة على جودة التدبير في قود الجيوش واستعمال آلات الحرب والناس في مغالبة الأمم والمدن الذين لا ينقادون لأعمال السعادة التي بها كمال الإنسان حسب رتبته في الوجود.
ويحتاج الملك إلى العلوم النظرية المعقولة التي حصلت معرفتها ببراهين يقينية والتماس الطرق الإقناعية في كل منها أو التخييلية بالمثالات. وهي مشتركة بين جميع الأمم والمدن. كما يحتاج إلى إحصاء أفعال الفضائل والصنائع العملية الجزئية وطرقها الإقناعية؛ لأنها في العزائم والأقاويل الانفعالية والخلقية التي تخشع منها النفوس. وقد يستعملها الملوك المضادون والمشاكسون. فتحصل العلوم الثلاثة الأولى النظرية والفكرية والخلقية تنفيذا لغرض الرئيس الأول في الأمم والمدن.
ثم ينظر في أصناف الأمم، أمة أمة وطباعها المشتركة من الملكات والأفعال الإنسانية واشتراكهم في الطبيعة الإنسانية التي تعمهم، وخصائص كل أمة التي تنفرد بها وما يستعمل معها من طرق الإقناع.