137 (ه) الإشارات الإلهية
يغيب الوافد كلية باستثناء ذكر لفظ «الحكماء» مرتين على العموم ودون تخصيص بحكماء اليونان.
138
وواضح أنه كلما كان الموضوع التصوف أي خاصا بالحضارة الإسلامية اختفى الوافد. ولفظ «الإشارات» مستعمل في الفلسفة والتصوف على حد سواء.
139
ويذكر قول منتحل للحكيم، قول إشراقي عن ترك عواقب الدنيا، ترك الهوى والدنيا البالية إيثارا للتقوى والقناعة. ولا فرق في الموت بين الغني والفقير. وهنا يبدو الحكيم صوفيا يعطي المواعظ ويستحث الناس على ترك الدنيا والتوجه إلى الآخرة. وهي أقوال مؤلفة وليست مترجمة لما بها من سجع وأسلوب أدبي مصطنع. يرسم أبو حيان في هذا الكتاب كلاما للحكماء في صفة الرجل العاقل العادل وكيف يحصل على هذه الفضيلة وصفة الرجل الحائر الجائر، وكيف تدخل عليه هذه النقيصة. وقد زعم الحكماء أن آراءهم تأتي من الوحي القديم النازل من الله ممثلا في قول الإنسان «اعرف نفسك بنفسك» وهو قول قصير اللفظ عميق المعنى؛ فالحكمة من النبوة.
140
ويغلب على الموروث الشواهد الشعرية والآيات القرآنية، والشعر هو الذي يعبر عن تجارب النفس. وقد احتواه القرآن أسلوبا ومضمونا، تعتمد «الإشارات» على التجربة الشعرية والقرآنية. ويغيب الحديث لأنه أقل ألغازا. كما تغيب أسماء الأعلام لأنها ثقافة متوسطة بين الأصول والفروع باستثناء المسيح وأرمن بن أبي ربيعة بالإضافة إلى البيئة الجغرافية المحلية. «الإشارات الإلهية» أدخل في التصوف منه في الفلسفة؛ وذلك لأن العلوم القديمة هي مقياس التصنيف وليس الأشخاص. تتخلل العلوم الأشخاص ولا تتخلل الأشخاص العلوم. والتصوف تنزيه عن طريق الوجدان في حين أن المتكلمين وقعوا في التشبيه. والقلب أكثر إحساسا بالتنزيه من العقل. لم يقدر المتكلمون الله حق قدره بل سعوا في آيات الله معجزين. والعمل السيئ يظلم القلب ويصدأ عليه.
141
وتعتمد «الإشارات الإلهية» على التجارب النفسية أكثر مما تعتمد على المنقول وافدا أو موروثا كنوع من التفسير الشعوري عند أبي حيان بعد نقد التفسير اللغوي الأصولي، والبداية بالتجارب الخلقية والأحوال النفسية وتخليص النفس من البدن للحصول على الإشراقيات كما هو الحال عند إخوان الصفا. يحال إلى الكتاب المبين لتأكيد ما وصلت إليه التجربة البشرية. وقد تكون الآية في أول الفقرة ويكون التالي شرحا لها أو في وسطها فتكون الآية استشهادا بها أو في آخرها فتكون خاتمة لها. والعجيب مناهضة العقل في القرن الرابع وبلوغ الذروة في كل شيء، في العقل والقلب في آن واحد. فمثلا بعد آية
وسكنتم في مساكن
ينبه أبو حيان على ضرورة حضور البال ويقظة الفؤاد، وظهور الفكر، وحضور الاعتبار. وتستعمل الآية خارج «أسباب النزول». الواقعة في البنية الذهنية والنفسية التي تعتمد عليها الآية. أسباب النزول في النفس ليس في البدن، في الداخل وليس في الخارج، في الزمان وليس في المكان، يشعر بها القلب ولا يدركها العقل كما هو الحال في الأصول. ويضرب القرآن الأمثال كما يستعمل أبو حيان الإشارات، وكلاهما رمز له مرموز، مثل له ممثول، مجاز له حقيقة، ظاهر له مؤول.
142
وتستعمل الآيات القرآنية للكشف عن الطريق الصوفي، من الطريقة إلى الحقيقة، ومن النفس إلى الله، ويستشهد أبو حيان بآليات الإشراق. فلا يقنط من رحمة الله إلا الضالون. وهو الذي يذهب الحزن، وهو الغفار. والتقابل في الانفعال هو التقابل في المواقف كما تبدو في الأحوال. و
كل حزب بما لديهم فرحون ، وكل له دينه. ولو شاء الله لجعل الناس أمة واحدة. ويدعو إلى التعاون على البر. فالوعي الجماعي امتداد للوعي الفردي.
143
ثم ينكشف الله في النفس، الله واحد خير من الآلهة المتفرقة. وهو
ملك الناس * إله الناس . والكل آت للرحمن عبدا، وبه تكون الاستعاذة، وله يكون الشكر. وهو المنتقم العزيز الجبار، يأتي بأسه بغتة. المؤمنون مشتاقون، والأشرار في جهنم خاسئون ولا يتوبون. ويعطي الله من فضله ما يشاء، ويعلم الإنسان ما لم يعلم،