125
وقد يذكر القرآن في معرض شرح الحديث البيان اتفاق المصدرين في موضوع ما مثل الفتح على الأشرار. ثم تستقل الأحاديث وتكثر إلى درجة التحول من الفلسفة إلى الدين، ومن العقل إلى النقل.
126
ليلة للمجون وليلة للأحاديث، لا فرق بين الدين والحياة، بين الإيمان والجنس. وأحيانا يتكلم الرسول وأحيانا يجيب على سؤال وأحيانا يوجد في موقف يسمح له بالتعليق. فيستشهد بأحاديث قدر الاستشهاد بالقرآن. فإن كان صحيحا سمي حديثا وإن كان مظنونا سمي أثرا.
127
وهي مصدر للعلم؛ لأنها نبوة محمد مع إنكار نبوة زرادشت الذي لم يرد ذكره في القرآن وكأن الأنبياء هم المذكورون وحدهم في القرآن مع أن القرآن لم يتحدث إلا عن أنبياء بني إسرائيل المعروفين في الوعي العربي للاستفادة بهم في الإقناع، ووضع قوانين للتاريخ، قيام الأمم وسقوطها. وربما كان غيرهم أنبياء لم يقص القرآن عنهم شيئا،
وإن من أمة إلا خلا فيها نذير .
128
ومع ذلك فقد قاسهم النبي على أهل الكتاب بالرغم من أنهم لا كتاب لهم.
وتغيب الأحاديث التي تتعرض لموضوعات غيبية نظرا لطابعها العملي باستثناء القليل عن قوانين الطبيعة واطرادها وعدم خرقها بموت أحد، والنهي عن الخوض في التكهن بالمستقبل ومعرفة الغيب . لذلك حرمت العرافة والكهانة والتنجيم، وعدم جواز الخوض في القدر؛ لأنه سر الله الأكبر. وعن طريق الفراسة يعرف الرسول إمكانيات الصحابي في القتال راجلا أم فارسا. كما أدرك ضعف أبي ذر وأنه ليس له في الرياسة والإمارة والولاية. وكان الوحي يأتي للنبي مثل صلصلة الجرس تشبيها وليس حقيقة بالصوت لا بالصورة، وبدأ بإنذار عشيرته الأقربين طبقا لتوجيه القرآن له. وكان الرسول صاحب بلاغة وفصاحة، والرسول مجرد نبي يرفض الإطراء والمدح. ولله أمناء على خلقه يضن بهم على القتل، يعيشون ويغيبون في عافية. وهو حديث يوحي بالتشيع.
129
وهناك بعض الأحاديث الخاصة بالنبي مثل ما يتعلق بفدك والبعض الآخر عام له ولباقي المسلمين، وهناك عادات له يجوز أن تكون خاصة أو عامة مثل حبه أكل «الهريسة» ليلة بعد ليلة من قصعة تعد خصيصا له، والأحاديث العامة سنن للرسول. يقبل الرسول السباق مع الأنصار، ويجعل النصر لناقة أسامة مع أنه السابق حرصا على معنوية الأنصار. ويقسو على بيته لإعطاء النموذج في الزهد حتى على ابنته فاطمة. ومن سنته إطعام الضعيف، وتجهيز الميت، وتزويج البكر، وقضاء الدين، والتوبة من الذنب. والعجلة من الشيطان إلا من هذه الأمور الخمسة. وليلة الضيف حق، وكل من له فضل فليرده إلى من لا فضل له. والدفاع عن أصحابه قدوة لباقي المسلمين. وكان يخرج مع أصحابه ويداعبهم على الطعام. وكان يدعو لنفسه ولباقي المسلمين بالهدى وإصلاح ذات البين وتأليف القلوب والهداية إلى سواء السبيل، والإخراج من الظلمات إلى النور، وصرف الفواحش ما ظهر منها وما بطن، والتوبة، والتمتع بالأزواج والذرية والمعايش، والشكر للنعمة.
130
ويستعمل الحديث لإثبات الولد للأب ولمعرفة الحكم الشرعي عن ضالة الإبل أو الغنم أو الدنيا وبناء على سؤال، إما تركها فمعها غذاؤها حتى يأتيها صاحبها أو أنها لمن وجدها أو لأخيه أو للذئب أو الاحتفاظ بها سنة حتى يتعرف عليها صاحبها. فإن لم يظهر فإنها تصبح لمن وجدها، وكلها أحكام عقلية أكثر منها شرعية، واجتهادات النبي. وهناك أحاديث الرفق بالحيوان، رهف الشفرة حين الذبح وإراحتها وتركها تخب وتشخب فذلك أمرأ للدم وأفضل للحم. وهو ليس طبا فقط بل هو موقف إنساني وإن أتى الطب بعد ذلك على نحو مباشر. فالحيوان ليس فقط للنحر والطعام؛ بل هو موقف إنساني تجاهه. وهي أحاديث تنظم علاقة الإنسان بالطبيعة خاصة الحيوان.
وتتعلق معظم الأحاديث بالأخلاق الفردية والاجتماعية، وهي أقرب إلى التحليل النفسي الاجتماعي وفهم أخلاق البشر أو أقرب إلى الحكمة الخالدة وأخلاق العامة. فأشد الأعمال إنصاف الناس من النفس ومواساة الأخ من المال وشكر الله على كل حال وكثير منها لتطهير النفس مثل كراهية حمل الهم. وما جاء للإنسان من معروف يقبل ولا يرد، رزق ساقه الله إليه من الله والمرض والشفاء وليس من الصحة والمرض. ويتعلق البعض منها بالإيمان والتقوى والحياة الباطنية تشبيها. فظهر المؤمن مشجبه، وبطنه خزانته، ورجله مطيته، وذخيرته ربه. والإيمان أفضل من الكفر، الإيمان صدق وبراعة، والكفر خداع وحقد. ومن عرف الله وعبده وطلب رضاه وخالف هواه فاز بالرحمة والسيطرة على النفس أفضل من الغضب؛ لأن الغضوب يبيح ظهره وعرضه، ولا داعي للحلف بالإيمان بالرغم من صدق الحلف. أما الحلف الكاذب لأخذ مال الغير فإنه يؤدي إلى الهلاك. والتوبة من الحلف إذا ما رأى الحالف غير ما حلف به فضيلة. ثم تأتي أهمية الصدقة. فهي تزيد المال ولا تنقصه، والعفو عن الظالم زيادة في العزة. والسؤال يزيد الفقر. والصدقة على المسكين صدقة وعلى ذي الرحم صدقة وصلة. وأجود الأعمال. الجود في العسر، والقصد في الغضب والعفو عند المقدرة، وتجاوز ذنب السخي؛ لأن الله يأخذ عبده كلما عثر، فلا فضيلة بلا هفوة.