117
وأهم نص عند أبي حيان يكشف عن الصراع بين الموروث والوافد هي المناظرة بين أبي سعيد السيرافي ومتى بن يونس التي يبدو فيها الوافد مدافعا عن النقل ومستبعدا الموروث، والموروث مدافعا عن الإبداع ومستبعدا النقل. فالوافد بسيط والموروث عميق. وتكشف المناظرة عن خصوصية الحضارات اليونانية، بين خصوصية اللغة وعموم المنطق. خطورة المنطق اليوناني ليست فيه بل في تبعيته وتقليده ونسيان خصوصية اللغة واللغة منطق دون ما حاجة إلى منطق خارجي، والمنطق اليوناني لغة وليس له هذا الطابع الشمولي العام. وإذا كان النحو يعتمد على النقل والمنطق على العقل فالتفرقة بين اللغة والمنطق تظل قائمة بالرغم من وجود عناصر الربط بينهما في منطق اللغة ولغة المنطق والفطرة، ويبدو إبداع العجم في اللغة العربية واضحا؛ لأن العربي يتكلم بالسليقة وليس في حاجة إلى تنظير. والعجمي يجتهد بوضع القواعد وينظر للنحو من أجل التعليم المنطق بالفطرة واللغة أيضا بالسليقة. ويوحد المسلم بين المنطق والعقيدة، ويفرق النصراني بينهما. وتمثل المناظرة تطورا في علاقة الوافد بالموروث. فلم يعد الموروث شخصا، أرسطو، ولم يعد الموروث أيضا أسماء أبو سليمان، بل يمثل كل منهما موقفا فلسفيا وخصوصية حضارية. وهذا ما يجعل الموضوعات الغالبة في «الإمتاع والمؤانسة» ليس فقط الدين والفكر والجنس بل أيضا رأى العلماء في الشعوبية والمفاضلة بين الأمم وهو ما يدخل في فلسفة التاريخ.
وقد ظهر الموروث أيضا تحت مصطلح المتقدمين أي السلف في مقابل المتأخرين من السلف أيضا. يشير اللفظان إلى السلف والخلف في الموروث في حين أن لفظ الأوائل يشير إلى المتقدمين من الوافد. فأقوال المتقدمين أمثلة من الحضارة الإسلامية، ثم يتحول الأمر إلى مفاضلة بين القديم والحادث. فالتعجب منوط بالحادث، والتعظيم والإجلال بالقديم. وقد يكون القديم بالزمان أو بالذهن كالعقل والنفس والطبيعة. الزمان هو الوقت المحدد أما الدهر فهو كل الزمان. أما العتيق فإنه ما له أول؛ لأن القديم ما لا أول له، ومن ثم لا يطلق على العالم، لذلك وصف الله بأنه قديم بالرغم من أن هذا الوصف ليس في الكتاب ولا في السنة ولا في أقوال الصحابة والتابعين. وتعني العرب بالقديم الزمان المجهول. ويبدو أن الموروث هنا هو مقياس معاني الألفاظ، القرآن والحديث والصحابة والتابعين واستعمال العرب لغتهم. وفي نفس السياق يتم التمييز بين الحادث والمحدث والحديث. الحادث ما يلحظ نفسه، والمحدث ما تعلق بالذي كان عنه محدثا، والحديث كالمتوسط بينهما مع تعلق بالزمان ومن كان منه. والحدثان فعل مضارع للحادث والحدثان اسم للزمان فقط. وحدث تابع لقدم. وحدث أي وقع شيء في الزمان.
118
وفي مقابل اليونان يذكر العرب والأتراك والترك والهنود والفرس والعجم والروم مما يدل على الثقافات المحيطة بالعرب حتى الشرق في الهند وفارس، والشمال عند الترك والغرب عند الروم، وفي الجنوب عند الزنج.
119
ومن أسماء الفرق يذكر النحويون والنصارى والصابون والقرامطة والمعتزلة والمنطقيون ثم الجبرية والخرمية والزيدية والشافعية والشيعة الأمامية والصوفية والطبيعيون والمتكلمون والملاحدة والمهندسون واليهود.
120
وتذكر أيضا بعض المؤلفات من الموروث.
121
كما تذكر الأماكن العربية مثل بغداد ثم الري ثم همذان والهند وعشرات الأماكن الأخرى تدل على الجغرافيا المحلية للفكر، مدنا ومناطق وأقاليم.
122
وأخيرا يأتي الموروث الأصلي، القرآن والحديث ممتزجا بأقوال الصحابة والصوفية كمصدر لفكر أبي حيان. يستشهد بالآيات أحيانا دون تأويل كمجرد أسلوب، حرف وعبارة شارحة مثل أي خطيب استكمالا للخطاب الأدبي بحجة نقلية. فإذا كان العقل أداة العلم، والتخلي عن العقل تخليا عن العلم فتستدعى آيات تذكر أولي الألباب، واعتبار أولي الأبصار، وتدبر القرآن، وتذكر القلب والسمع، ومشاهدة الآيات، والحياة بالنور، وتجاوز ظاهر الحياة الدنيا، والتوكل على الله، والموت بالأجل. وتذكر آيات لبيان شرف النثر على النظم، في اللؤلؤ المنثور وليس المنظوم، وعلى الإيجاز في التعبير في وصف الله نفسه بأنه الظاهر والباطن. وتستعمل الآية كدليل نحوي على استعمال حرف الواو مقحمة مثل