تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

114

وكما ينقد أبو حيان الكندي لتبعيته للوافد كذلك ينقد مسكويه منذ البداية. يبين السلب بالإيجاب، مقارنة بالآخرين، وقياسا على باقي الفلاسفة. يجمع بين الصفات الخاصة والصفات العامة، ويحلل مشاعر الفيلسوف مباشرة أو من خلال الحوار، ويعبر عن أمانيه ويدعو له في إطار من التحليل النفسي الاجتماعي جامعا بين المزاج والفكر والعلاقات العامة. يدقق في رسم الشخصيات نظرا لارتباط الفكر بأصحابه. فمسكويه مثلا فقير بين أغنياء. والفقر هنا معنوي وليس ماديا، وعيي بين أنبياء أي أنه لا يحسن التعبير لأنه شاذ. وهو غير قادر على شرح الوافد أو شرح الشرح أو التعليق على الشرح مثل شرح إيساغوجي أو قاطيغورياس من تأليف الصديق بالري أبي القاسم الكاتب غلام أبي الحسن العامري؛ فالغلام كان يشتغل بالفكر مع الحكيم بالرغم من مصاحبته لابن الخمار وربما لأبي سليمان ربما لانشغاله مما جعله يشعر بالحسرة والندم. صحب ابن العميد وصحبه. وانشغل بالكيمياء مع الرازي وافتتن بكتبه وبكتب أبي حيان وهو خازن لمكتبتهما. كان منشغلا بقضاء الوقت في حاجاته الضرورية والشهوية بالرغم من قصر العمر، صاحب العامري خمس سنوات ولم يأخذ منه شيئا فندم من جديد. قضى عمره في خدمة السلطان. كان بخيلا يمدح الجود باللسان، ويأتي الشح، ويمجد الكرم بالقول ويفارقه بالعمل، ووحدة القول والعمل مقياس فقهي. ومع ذلك فهو ذكي، حسن الشعر، نقي اللفظ. وهو تصوير قد يخالف ما هو معروف عن مسكويه أنه لم ينشغل بالعلوم الطبيعية مثل الرازي وأبي حيان بل بالأخلاق من علوم الحكمة ولا بالإلهيات مثل العامري وابن سينا بل بالنفس أولا. وتذكر محاسنه كما تذكر مساوءه. فهو لطيف اللفظ، رحاب الطرق، رقيق الحاشية، سهل المأخذ، مشهور المعنى، كثير الثواني، شديد التوقي، ضعيف الترقي، بطيء السلك وقليله، يقرأ أكثر مما يكتب، يشتد جهده ويضعف، طموحه أكثر من أفعاله، يحصد قبل أن يزرع. ومع ذلك له باع في الفلسفة، نادم بخيل كاذب مائل العقل لشغفه بالكيمياء. لا يعرف النحو، عقله ضعيف وسواس، ساقط، مخدوع في أول العمر وخادع في آخره.

115

وفي نفس الوقت الذي يعاب فيه على الكندي أنه من أنصار الوافد يمدح أبو حيان الجاحظ؛ لأنه من أنصار الموروث، فقد اجتمعت فيه خصال قلما تجمع في غيره، بعضها بالطبع والمنشأ والأصول والعادة والقريحة وبعضها بالعمر والفراغ والعلم والعشق والمنافسة والبلوغ والثقافة والتربية والحوار مع الآخرين. ومع ذلك لا يوجد عالم قد حوى كل شيء. وقد تطورت الأمور وتبدلت الأحوال منذ زمن الجاحظ واستدعت علما أوسع. وقد تم «استكتاب» الجاحظ كتاب الحيوان حرصا عليه وتقديرا له. فوضع نوعا أدبيا يجمع بين الباطل والمحال، والعجيب والمضحك، والخرافي والطريف.

116

ويضم أبو حيان المترجمين مع الفلاسفة. فالترجمة في المرحلة المتوسطة التي يتحول فيها الوافد إلى موروث فيصبح موروثا وافدا أو وافدا موروثا خاصة فيما يتعلق بالأسلوب. فابن زرعة جميل الأسلوب صحيح النقل، مستوفي الموضوع وموثقه إلا أنه ليس عميق النفاذ. جهده موزع في التجارة وحب الربح، حريص على جمع المادة والتبذير وكأن الفكر يفرض سلوكه وقيمه وتفرغه. وابن السمح أقل من المستوى العام للأصحاب، أقل في الحفظ والنقل والنظر في الجدل. مقلد وليس مبدعا، مبدع وليس أصيلا، محب للدنيا مشغول بها، وكأن الحرف مضيعة للفكر على عكس المتكلمين الذين جمعوا بين الحرفة والفرقة. ويحيى بن عدي شيخ لين الطباع، متأن في تخريج المختلف، بارع في الجماعة، مبارك في المجلس، منبهر بالآليات إلا أن ترجمته مشوهة، وعبارته رديئة. أوضح الغامض ولكنه ضل في الإلهيات. فهو مفكر وليس فقط مترجما مثل حنين وإسحاق اللذين لا يذكرهما أبو حيان. ويصور يحيى رئيسا لجماعة والمترجمون حوله وأصحابه، وأبو سليمان من غلمانه. كان يقرأ عليه كتب يونان. كان في إصبعه خاتم من فضة زاعما أنه عمل بين يديه. وشهد بذلك أصحابه ابن زرعة والخمار وأبو سليمان. وأحال ذلك أبو يزيد البلخي سيد أهل المشرق في الحكمة؛ لأنه مفسدة والله لا يحب الفساد. وعيسى بن علي (391ه) عبارته واسعة، ونقله صحيح، ومنصرف في فنون اللغات والمعاني والعبارات، واسع الاطلاع، ولكنه بخيل في الكلام، سوداوي المزاج.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الثاني التحول): (١) · الصفحة ١٥٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الثاني التحول): (١)ص ١٥٣