ويتفوق الموروث على الوافد في الجزء الثاني. فبينما لا يذكر من الوافد إلا ثمانية عشر علما يذكر من الموروث حوالي ثلاثمائة وثمانية علوم أي سبع عشرة مرة ضعف الوافد. ومنهم الفلاسفة والحكماء والعلماء والخلفاء والأمراء والصابئة والمحدثون والفقهاء والمؤرخون والشعراء والقواد وإبليس والأنبياء والصوفية والمتكلمون وبعض النساء. البعض مشهور والبعض ليس كذلك.
108
وفي الجزء الثالث يفوق الموروث الوافد بأكثر من مائة ضعف، ويتداخل الفيلسوف والعالم والفقيه والقاضي والمتكلم والصوفي والمؤرخ والنحوي والخليفة والحاكم والقائد المعروف وغير المعروف والمفسر والمحدث والراوي والشاعر والصحابي والتابعي والعربي والعجمي، والمسلم والنصراني واليهودي مع بعض النساء والغلمان والحكماء يكونون ثقافة الخاصة في حين أن ليالي بغداد تمثل ثقافة العامة. ولا ريب من نقد التصوف باعتباره طرقية تجند الغرباء والمجندين والأدنياء والأردياء، لسوء مخالطتهم، ويجلب الضعف والخسة.
109
ويظهر التراكم الفلسفي للموروث خاصة في الجزء الأول في الجملة الثانية عند الحديث عن المترجمين والحكماء الأوائل على لسان أبي سليمان يظهر فيه دقة التصوير. لا يقرأ أبو سليمان كثيرا ولكن له بصيرة بالناس. أسلوبه متقطع أعجمي، ولم يقل أحد أنه من دعاة الشيعة. ويعطي أبو حيان صورة للعصر ورجاله كما يصوره أبو سليمان. وهو أدقهم نظرا ولكن أقصرهم غوصا نظرا لأنه يقدم الحكمة الشعبية للناس وليس للخاصة، وأصفاهم فكرا، وأظفرهم بالدرر، وأوقعهم على الضرر. نظره في الكتب قليل؛ لأنه ينظر لثقافة الناس ويعتمد على الخاطر لأنه يجمع بين الفكر والأدب. يحسن استنباط العويص. وله جرأة على التفسير الرمزي وإن لم يؤلف كثيرا بخلا بما لديه وهي إحدى سمات الفكر الشيعي.
110
وكل مؤلف له مشروع فكري واحد متعدد الجوانب تتم الإحالة إليه بما في ذلك أبو حيان الذي يحيل إلى باقي أعماله الستة الأخرى المعروفة وغير المعروفة. كما يحيل إلى أقرانه مثل أبي الحسن العامري وكتابه في التصوف الذي وضع فيه علم أبي حيان وتصوفه. وكان من الجوالين في البلاد للاطلاع على أسرارها. فهو منظر مباشر للواقع لا متمثلا للوافد أو منظرا للموروث. ويرسم أبو حيان شخصيته كأديب يجمع بين الفكر والمزاح، والرأي والطباع، والعلاقة مع نفسه ومع الآخرين، وثنائية الفكر في القول والعمل والعامري غليظ الطبع، جفاء الخلق. ينفر الناس من نفسه ولكنه إذا طلب منه فإن كتابته تأتي في غاية الكمال.
111
وينقد أبو حيان الكندي بأن فكره وهم بلا ترتيب، يتقبل الوافد بلا تمحيص، وهو مريض بالعقل، فاسد المزاج. وهو نقد ظالم وكان السيرافي قد أصبح ابن الصلاح. الموروث ضد الوافد واعتبار الحكماء امتدادا للوافد.
112
ينقد السيرافي الفلسفة في شخص الكندي على أنها مجرد اجتهاد وظن، بحسب الاستطاعة والإمكان من ناحية الوهم، وغياب الترتيب مع أنها تضم المنطق، غلط الفيلسوف وعدم صموده في الجدل واعتقاده أنها صحيح، وهي وافدة وهو تابع من هو أعلم منه، إنه مريض بالعقل فاسد المزاج، مائل الغريزة، مشوش اللب، أجوبته ركيكة ضعيفة وفاسدة وسخيفة، ويخطئ في التمييز بين حركة الإبداع التي لا من موضوع وحركة السكون التي عن فساد.
113
ونظيف متوسط بين العلو والسفل، وأكثر تخصصا في الطب، ويجول في باقي العلوم، وله حذق في الجدل. وابن الخمار فصيح سهل الكلام، صحيح النقل، كثير التدقيق. فالمدح للأسلوب ولطرق التعبير، والنقد للسلوك في الخلط بين الغث والسمين والزهو والصلف، والمغالاة والكذب، والعنف واللطف، ومصاب بالصرع. والقومسي حسن البلاغة، حلو الكناية، متسع الثقافة، نقله صحيح، مقدام شجاع. يجمع الكتب الغريبة لكنه كثير التردد في الدراسة، غير صحيح في الحكمة. المزاج ترابي، والفكر سحابي، مقلد وتابع، محب الدنيا وحسود للآخرين.