تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

102

كما طالب بعض الحكماء بعدم ترفيه السفلة فيعتادون الكسل والراحة ولا توسيع الرزق لهم فيطلبون السرف ولا تعليم أولادهم الأدب فيسيئون الأدب وكأن التعلم لا يكون إلا لذوي الطباع الخيرة. العامة عامة، والخاصة خاصة، والعودة إلى الأصل والطبع تجسد الكسب والفرع.

103

ويذكر الفلاسفة بوجه عام وليس بالضرورة فلاسفة اليونان، بل يشمل اللفظ الحكماء الإشراقيين والصوفية. هم الفلاسفة الإلهيون والزهاد الذين يجمعون بين الحكمتين والنعمتين وبهم تصلح المدن. فالإنسان مدني بالطبع. وتذكر أقوالهم في النفس التي تفعل في ذاتها دون حاجة إلى البدن. وكثرة الملك وقلة الرزق خير من كثرة الرزق وقلة الملك. والفلاسفة هم القادرون على التمييز بين الاسم والمسمى، ولم يخصص فيلسوف يوناني إلا مرة واحدة في طرق العلم: التقليد في الإحصاء، والتوسط في المجامع، والتعرف في الصناعات واستماع فنون الأقوال مما يزيد الإنسان بصيرة وحكمة وتجربة ويقظة ومعرفة وعلما. وتذكر أقوال الفيلسوف بطريقة لا مشخصة. فما يهم هو القول لا الشخص، ولا يهم إن كان وافدا أو موروثا، بل ضم الأقوال المتشابهة في موضوع واحد. وغالبا ما يكون القول متعلقا بالنفس أو العلم أو الصداقة. فللنفس خمس قوى. والقوة المميزة هي التي تبعث الحواس والحركات على الفعل. ولكل حيوان ثلاثة أرواح في ثلاثة أعضاء؛ نفسية في الدماغ، وحيوانية في القلب، وطبيعية في الكبد. وتدور أقوال أخرى حول الزهد في الدنيا، والاستغناء عن الماديات مروية عن أبي سليمان، وحديث الرموز بين الفلاسفة عن المعرفة ومستويات عمقها. ويفرح المريض بالطبيب لأنه يعلم ما لديه في حين لا يفرح الجاهل بالفيلسوف لأنه لا يعلم ما لديه، ومن يستعمل الحكمة بلسانه دون قلبه كمن يمسك بطرف الثوب دون لباسه. والفيلسوف هو الذي لا يرد على الطعن فيه حتى لا يزيد الشر شراء الكاظم الغيظ، والعافي عن الناس. وإذا صفي السر انتفى الشر. والقول اللين يتضمن دليله.

104

ويتجاوز الموروث الوافد في «الإمتاع والمؤانسة» عدة أضعاف.

105

في الجزء الأول يأتي في المقدمة أبو سعيد السيرافي ممثل الثقافة العربية، ثم أبو سليمان المنطقي، ثم متى بن يونس وأبو حيان، ثم الصاحب بن عباد، ثم ابن العميد الكاتب. وتكثر الأسماء لدرجة أن الفكر يبدو غارقا في البيئة الثقافية الموروثة. والوافد اليوناني لا يكاد يذكر. بل إن الوافد الشرقي لا يعتبر وافدا بعد أن دخل العجم الإسلام، وأصبحت الزرادشتية والمانوية جزءا من ثقافات الأمة مثل النصرانية واليهودية. بل إن الوافد اليوناني أصبح ثقافة عربية بعد أن قام بترجمته نصارى الشام. فالوافد المنعزل المقابل المغاير المتحدي، عنصر الاستقطاب مجرد افتراض، لا وجود له في الواقع الثقافي. ويظهر الرسول مرة واحدة وسط مئات الأعلام. كما يظهر بعض الحكماء مثل الكندي تائها بين كثرة الأعلام وكأنه واحد منهم دون تمييز يختلط فيه الخليفة بالعالم بالأديب بالمترجم بالملك بالفيلسوف بالأمير.

106

ويشارك في الفكر الحكيم وغلامه لا فرق بين سيد وعبد. أستاذ وتلميذ، وفي إطار مدح السلطان تذكر إبداعات الموروث في كل الميادين؛ فمن خمس وثلاثين مبدعا وإبداعا لا يظهر إلا أرسطو في المنطق في مقابل أربع وثلاثين مبدعا وإبداعا في الموروث. بل إن إبداع أرسطو في المنطق أصبح وافدا موروثا.

107

ويلاحظ أن مفهوم العلم واسع للغاية بحيث يشمل العلم الكلي مثل العروض واللغة والتفسير والمنطق والخط والحيوان والفقه والقضاء والقراءات والطب والرواية والعلم الجزء مثل الجزء وهو جزء من علم الطبيعة. والبديهة واستخراج العمى جزء من العلم الرياضي، والفردوس والآراء والديانات والموازنة والكهانة والتنبي جزء من علم الكلام، والخطرات والوساوس والعبارة وتفسير الأحلام والحفظ وهو جزء من علم النفس، والنوادر والفقر وهو جزء من الأدب، والحفظ وهو جزء من الرواية، والتدبير والجود جزء من الفلسفة، كما يظهر الإبداع عند العرب والعجم مثل ابن نوبخت وابن سيرة وابن ثوابة ومن النصارى مثل يوحنا في الطب وابن ربن في الفردوس.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الثاني التحول): (١) · الصفحة ١٥١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من النقل إلى الإبداع (المجلد الثاني التحول): (١)ص ١٥١